برفقة زوجته ذهب محمود لاشين للتقديم في المدرسة لصغيرته التي لم تتم عامها الرابع بعد، وسرعان ما تحول الحماس لاستقبال مرحلة جديدة تعيشها الأسرة الصغيرة إلى الشعور بالدهشة ومن ثم الغضب، بعد أن قوبل طلبهم بالفرض والسبب أن «ليان» سقطت في الاختبار النفسي.

أسرة محمود لاشين هي واحدة من مئات الأسر التي تعيش مرارة الرفض والتحكمات والشروط الصارمة للتقديم لطفلهم في المدرسة ليلحق بتعليم نظامي خاص. 

رسوب قبل الدراسة

قبل أن يدخل «محمود» لإجراء المقابلة الشخصية له وزوجته وطفلته بمدرسة بورسعيد في الزمالك، فوجئوا برفض استقبالهم في البداية مع أول سؤال «أنتو ساكنين فين»، وعندما كانت الاجابة حي إمبابة تم تبليغهم أن طلبهم مرفوض ولا يمكن للطفلة الالتحاق بالمدرسة، فالمدرسة تقبل عينة من الطلاب القاطنين في أماكن معينة وأن تلك المنطقة ليست ضمن خريطتهم.

غضب من المقابلة التي لم تتم وأصر على الحديث مع مديرة المدرسة لإجراء المقابلات والاختبارات وأن ذلك من أبسط حقوقهم، وبعد أن تدخل أحد الوسطاء استطاع تحديد معاد آخر للمقابلة الشخصية والتي كانت صارمة على حد وصفه، في البداية كانت المقابلة للأبوين باللغة الانجليزية فقط.

توجّه المسؤولة عن إجراء المقابلات أسئلة للأبوين باللغة الإنجليزية عن مؤهلاتهم الدراسية وطبيعة عمل كلا منهم، ودورهم في تربية الصغيرة، وأسئلة من هذا القبيل. يقول «محمود»: «أنا رفضت أتكلم بالإنجليزي وقولتلها اسألي براحتك بس أنا هرد بالعربي»، وبالفعل أجاب على كل أسئلتها باللغة العربية بينما زوجته أجابت بالانجليزية لتهدأ من الموقف.

يستنكر «محمود» الصحفي بإحدى الجرائد الخاصة، طريقة التعامل، ولكنه كان مضطرا لتحمل الموقف حتى يجد مكانا لابنته بالمدرسة خاصة بعدما علم أن مستوى التعليم بها جيد، وجاء الدور على الطفلة «ليان» لتقدم تعريفا عن نفسها وتخضع لعدد من الاختبارات في اللغة الانجليزية، ومعرفة أسماء الحيوانات والأرقام.

أجابت الصغيرة على الأسئلة التي تعرفها فوالدتها دائمًا ما كانت تلقنها القليل من الكلمات وتعلمها تأهيلًا للمدرسة، وليس للتقديم، وجاء الدور على الاختبار النفسي، وبعد قضاء عدد من الدقائق مع الطفلة على انفراد جاءت الإجابة بأن البنت لم تجتز الاختبار، فالصغيرة كانت ترهب وجود أشخاص لا تعرفهم يتحدثون معها ويطالبونها بإجابات على أسئلتهم الغريبة بالنسبة لها، هكذا قال «محمود».

يحكي «محمود»: «مش عارف طبيعة الأسئلة كانت عاملة ازاي.. بس هما قالو بيختبروها في المواقف وتصرفاتها وكلام غريب وإن البنت مجاوبتش». ازداد تمسك «محمود» بالدخول للمدرسة التي تضع عراقيل غير منطقية وطبقية.

 وأصر على مقابلة مديرة المدرسة التي كان ردها أنه من الصعب توصيل البنت بأتوبيسات المدرسة، وأن المدرسة تنتقي طلابها من مناطق معينة، وأضافت أنها لا تستطيع قبول طفل رسب في الاختبار النفسي فهو الأساس التي تقيم عليه الطفل، ويمكنه المحاولة في العام المقبل، ثم همت بالانصراف.

مبرووك ابنك اتقبل في المدرسة

«سارة» كانت تعيش مع زوجها وطفلها في دولة الإمارات ومع اقتراب موعد بداية الدراسة عادت لبلادها لتلحق الصغير بمدرسة ويبدأ مرحلة تعليمه النظامي، ولكنها فوجئت بالتعقيدات والشروط التي تضعها المدارس على أولياء الأمور والأطفال، وظلت أيام طويلة تبحث عن مدرسة مناسبة لطفلها.

قدمت «سارة» الأوراق المطلوبة لمدرسة «بيراميدز» بالهرم، وانتظرت موعد المقابلة الشخصية والتي كانت كالآتي: حوالي ساعة يختبر فيها الطفل عن أسماء عدد كبير من الحيوانات باللغة الإنجليزية، ثم معرفته بالحروف، ثم معرفة الأرقام قراءة وكتابة، والألوان، والأشكال الهندسية والتفريق بينهما، وتميز بعض الأشياء التي تقيس تركيز الطفل ومستوى ذكائه.

وبعد أن نجح الطفل في اجتياز الاختبار جاء الدور على الأم. تقول: «كانت مقابلة شخصية زي الشغل ويمكن أكتر» حول السن، والوظيفة، وإجادة اللغة الإنجليزية على الأقل، وتعاملها مع الطفل، وقدرتها على مساعدته في استذكار دروسه، ورأيها في بعض الأفكار التربوية.

خرجت «سارة» من المدرسة وهي تتنفس الصعداء وابنها لم يخذلها، واستطاع الإجابة على كل تلك الأسئلة الغريبة، ولم يكن مُعكر المزاج مثل كثيرين بدأوا في الصراخ بمجرد أخذهم بعيدًا عن أمهاتهم لإجراء الاختبارات فضاعت فرصتهم في الانضمام للمدرسة. تقول «إزاي مطلوب منهم يجاوبوا على كل ده وبالشكل ده قبل ما يدخلوا المدرسة أومال هما هيعلموهم إيه».

بعد أيام قليلة جاء اسم «عمر» في كشوف المقبولين في الالتحاق بالمدرسة، وبين مباركات أولياء الأمور، استلمت الأم قائمة طويلة من الطلبات المدرسية التي يجب أن تحضرها قبل بداية السنة الدراسية، مع التشديد على إحضار جميع الطلبات بالكمية المطلوبة والمحددة فيما يعرف بـ «السبلايز شيت»، والذي يتضمن عدد كبير من الأغراض والأدوات المكتبية التي يستخدمها الطفل في الأنشطة الفنية أثناء السنة الدراسية.

إزاي تتأهل لإنترفيو المدرسة؟

تهتم كثير من حضانات الأطفال بالدعاية من خلال عرض نماذج من الاختبارات التي يخضع لها الطالب وولي الأمر من أجل القبول بالمدارس الخاصة.

ويُدرب العاملون من المعلمين الأطفال على الأسئلة التي يخضعون لها أثناء الاختبار في المدرسة.

ويجري تلقين الطفل بعدد من كلمات اللغة الإنجليزية اللازمة للقبول، إضافة إلى تعليمهم مهارات التعامل والمواجهة حتى يكون الطفل جاهزا لاختبار التقديم في أي مدرسة.

وقبل موعد التقديم للمدرسة يحصل الطفل على تدريب مكثف حول الأسئلة التي يمكن أن يخضع لها مع ولي الأمر.

ويواجه الآباء الملاحظات التي يجب مراعتها أثناء الحديث في «انترفيو المدرسة» حول المظهر الخارجي وطريقة التحدث.

النموذج المثالي لاختبارات التقديم للمدرسة

تعتبر الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبد الرؤوف، اختبارات التقديم للمدارس موضة اجتاحت مصر ولا توجد في بلدان العالم إلا في شكل مبسط لجلب معلومات أساسية ورئيسية تساعد فريق العمل على التعامل مع الطفل بصورة جيدة.:

ويجري الاختبار من شخص ذو اختصاص تربوي ونفسي بالجلوس مع الطفل برفقة والديه ومعرفة إذا كان الطفل يعاني من انخفاض في معدل الذكاء الطبيعي، أو إصابته بأحد الأمراض العقلية، أو إذا كان يعاني من التوحد أو من ذوي الاحتياجات الخاصة.

الأثر النفسي بعد الرفض

تشير «عبد الرؤف» إلى أن كثير من أولياء الأمور يتعرض أبنائهم للرفض من أكثر من مدرسة وذلك يشكل عائقا نفسيا كبيرا للطفل الذي يشعر بعدم تقبله أو أنه شخص غير مناسب، فيشعر الطفل بعدم الثقة بالنفس، ويتشكك في قدراته مما يؤثر على مساره التعليمي ورغبته في الالتحاق بالمدرسة من الأساس، وينتج عن ذلك كثير من الحالات التي تعاني صعوبات التعلم وكره الدراسة بالرغم من أن مستوى ذكاء الطفل طبيعي.

وما يزيد الأمر خطورة، هو استجابة أولياء الأمور لنتيجة المدرسة والحديث أمام الطفل بأنه غير مؤهل، وتشير الخبيرة التربوية إلى أن بعض الأمهات تقوم بالبكاء وتدخل في نوبات اكتئاب بعد تعرضها للرفض من قبل كثير من المدارس فتفقد الثقة في نفسها وفي قدرة طفلها.

وتشير إلى أن سوق المدارس يتحكم فيه أولياء الأمور عن طريق العرض والطلب، فزيادة طلبهم على مدارس بعينها بحجة فرص التعليم الأفضل، جعلت القائمين على تلك المدارس يستغلون ذلك في رفع أسعارالمصروفات والمغالاه في الطلبات المدرسية، وسن قوانين صارمة لا شأن لها بالتربية أو التعليم.



0
0
0
0
0
0
0