هل جربت مرة أن تنام في المقابر أو تفترش حصيرا على ظهر مقبرةٍ لتأنس بمن تحب؟ أتخيلتَ نفسك تعيش مع الأموات تأكل وتشرب وتبيت إلى جوارهم؟ ستجيب مندهشاً لا ولكن ستعجب أن هناك أكثر من ثلاثة ملايين لو قرأوا ما كتبتُ لقالوا نعم بطلاقة ومرارةٍ أنسَتهُم طعم الحياة.. إنهم سكان المقابر في مصر!

 قضية تبَنيتُها أنا وزملائي بقسم الصحافة منذ خمس سنين فكانت أهم أولوياتنا وصارت هاجسا يراودني صباح مساء عندما أمر على مقابر الدويقة بمنطقة الجمالية في طريقي بين كليتي في الدرّاسة والمدينة الجامعية بمدينة نصر آنذاك ليتجول بنا سائق السيارة لخمس دقائق لأرى آدميين أمواتا في صورة الأحياء! استوقفتني المشاهد لأقرر في لحظة حاسمة مع زملائي أن تكون تلك القضية مشروعا لتخرجنا من كلية الإعلام جامعة الأزهر في محاولةٍ للكشف عن المستور والمسكوت عنه فكان العدد الأول من مجلة «السرداب» التي ناقشت الأزمة بعمق في معالجة صحفية رُوعِي فيها تنوع الفنون الصحفية، وتزويد القارئ بما يحتاجه من معلومات وآراء ولقاءات مع المسؤولين.

ساعاتٍ وأياماً قضيناها داخل المقابر نتجول بين شواهدها حتي يغشانا الليل بظلامه، يظنها الكثيرون مكانا ساكنا يبعث في حطام النفس صحوة الإيمان ويذكرها بلقاء الملك العدنان، ولكن المفاجأة أن الموتي ليسوا مَن هم تحت التراب بل من يمشون فوقه أحياءً تنبض قلوبهم بالهموم وتتعالي أصواتهم بالاستغاثات!

واستطعنا بتوفيق من الله أن ننقل للقارئ بعدساتنا وأقلامنا صورةً حيةً لملايين من البشر يجاورون الموتي ولسان حالهم يردد قول الشاعر الفصيح «ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميِّتُ ميِّت الأحياء!»

وفي سابقة هي الأغرب في رحلة البحث عن الحياة لهؤلاء وأدهَش فريق العمل هو وجود رابطة لسكان المقابر يرأسها رمضان الساداتي تحاول تقنين أوضاعها وتسعي لتكوين نقابة تحت مسمي «نقابة المقبورين» وهو ما يزيد الطين بِلَّه ويلقي العار علي جبين الدولة المصرية التي لا تَتَحرَّج من تكوين هذا الهيكل بدلا من أن تسعي إلي حل المشكلة وتوفير السكن الآدمي كأدني حقوق الإنسان.

وهنا يأتي ندائي إلى المسؤولين في دوواين الحكومة ومعاقلها أين أنتم من هؤلاء الملايين؟ وأين وزارة الإسكان وما موقع هؤلاء من برنامجها الإسكاني لمحدودي الدخل وسكان العشوائيات؟ أيسمعني المسؤولون في دواوين الحكومة أم ندائي ينطبق عليه قول الشاعر لقد أسمعت إذ ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي؟!!

المقالات المنشورة في قسم شباك تعبر عن رأي كاتبها وليس لشبابيك علاقة بمحتواها 



1
1
0
1
0
0
0