عشقت جهاد شوقي الآثار، وتتبعتها من أقصى الصعيد في الأقصر التي تحتوي على ثلثي آثار العالم، وتنقلت بين ربوع المحروسة لجمع فتات المعلومات التي تتيح لها معرفة تاريخ أجدادها ونقله إلى الأجيال القادمة. 

حاولت «جهاد» المشاركة ببحث عكفت عليه كثيرًا وأثقلته بالدراسة والعمل بالمتاحف ولكن خيبتها حكومة انجلترا العظمي ورفضت أن تعطيها تأشيرة دخول لبلادها المبجلة، ولكنها لم تتخاذل وعرضت بحثها، وبرغم المسافات أجبرت رافضيها على الانحناء تقديرًا لها.

رحلة كفاح

«جهاد» فتاة من محافظة الأقصر، تركت محافظتها وذهبت لتدرس في محافظة المنيا، وحصلت على ليسانس الآداب قسم تاريخ، وعادت إلى الأقصر مرة أخرى  لتدرس الإرشاد السياحي.

عملت «جهاد» في متحف الأقصر كأخصائي نشاط ثقافي لمدة ثلاث سنوات، ولكنها لم تكتفِ بذلك وشعرت أنها بحاجة للمزيد للعلم والدراسة، فكانت الخطوة التالية وهي الحصول على دبلومة الآثار من جامعة القاهرة، وانتقلت للعمل في المتحف القبطي آنذاك، ومنه إلى المتحف المصري.


هنا ازداد تعلق «جهاد» بالمتاحف. وكانت ترى السياح يأتون من بقاع العالم للتعرف على الآثار المصرية التي يجهلها أبناء بلادها. وجدت «جهاد» أنها بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتخصص أكثر، فذهبت للحصول على درجة الماجستير في الدراسات المتحفية من كلية سياحة وفنادق بجامعة حلوان.

كللت «جهاد» خبرتها العملية بالدراسة الأكاديمية. تقول إنها بعد كل خطوة تخطوها كانت تشعر بأن هناك المزيد لم تتعلمه أو تعرفه بعد، وكلما عرفت شيئا جديدا سعت لمزيد من المعرفة حتى ولو وراء البحار. تقول: «رحت اليابان 3 شهور منحة تبع وزارة الآثار في خبرة تبادلية عن علوم المتاحف». هناك عرفت «جهاد» وتعلمت المزيد من الخبرات التي أضافتها في الشق الميداني لبحث الماجستير الذي تعمل على إنجازه.

قصة رفض

انضمت «جهاد» كعضو في لجنة المجلس الدولي للمتاحف الذي يطوف بلدان العالم في كرنفال حافل بعلوم الآثار والمتاحف، وقرر المجلس أن يعقد مؤتمرًا بإنجلترا ويقدم في ذلك المؤتمر لفيف من البحوث المقدمة في مجال المتاحف من المشاركين من مختلف بلاد العالم، فأعدت «جهاد» بحثها وعكفت في العمل عليه ليخرج في أحسن صورة.

وتقدمت للجنة المؤتمر بفكرة بحثها فسرعان ما لقت الترحيب وتلقت دعوة للحضور، فبدأت بحماس في تخليص الإجراءات اللازمة للحصول على التأشيرة والسفر. تقول: «اتفاجئت إنهم رفضوا يدولي الفيزا بسبب دخلي المادي القليل والرصيد في البنك قليل»، وتضيف أن السفر والإقامة كانا بدعم من المؤتمر وذلك ما أثار استنكارها.


راسلت «جهاد» إدارة المؤتمر وطلبت منهم جوابات أخرى تفيد جدوى المشاركة وأعادت المحاولة ثانية، ولكن طلبها قوبل بالرفض أيضًا.

تعمل «جهاد» كأمين متحف وهو المسمى الوظيفى لها بالمتحف المصري في ميدان التحرير وتحصل شهريًا على 1400 جنيهًا راتب، وتعيش بعيدُا عن أهلها وذلك لم يمنعها من التغلب على الظروف للوصول إلى هدفها.

الإجابة عن تساؤلها لماذا لا يذهب الناس إلى المتاحف؟ كان هو هدف المؤتمر أيضًا، وهو ما جعلها تسعى لعرض ما توصلت إليه من خبرة ودراسة حول كسر الحواجز وكيفية التغلب عليها. تقول: «المقصود هنا الحواجز اللي تحول دون وصول الزائر للمتحف والتعرف عليه». قررت «جهاد» ألا تستسلم للرفض التعسفي، وأن تعرض مجهودها وبحثها أمام العالم.

تواصلت «جهاد» مع إدارة المؤتمر وحاولت إقناعهم بأن يعطوها فرصة لتعرض بحثها عبر «سكايب»، وافقت إدارة المؤتمر، وبمساعدة زميل مصري استطاعت أن تعرض بحثها وسط ترقب وإنصات من الجميع. تحدثت «جهاد» عن رفضها من قبل السفارة البريطانية، وتحدثت عن البعد والمسافات، وعرضت بحثها بشكل علمي منظم ومنمق.


وما إن انتهت، حتى ضجت القاعة بالتصفيق، ووقف لها الحضور تبجيلًا لها ولإصرارها، وللمادة العلمية الثرية التي قدمتها، فانقلبت الأوساط الإعلامية العالمية تندد بالحكومة المتعنتة التي تقف في وجه البحث العلمي والباحثين الشباب بجحة الدخل القليل الذي.

ندد المجلس الدولي للمتاحف بما حدث مع «جهاد»، وتم دعوتها للمؤتمر التالي في لندن كاعتذار رسمي لها. تستكمل «جهاد» طريقها البحثي الذي بدأته لعلها تحقق ما تطمح إليه وتكون نموذجا يحتذي به من توقفه محدودية الإمكانيات.



0
0
0
0
0
0
0