تخيل أنك دخلت الامتحان وتركت ورقة الإجابة فارغة؟ ثم اكتشفت بعد ذلك أنك نجحت بجدارة واشتهرت بين الجميع؟! هذا ما حدث بشكل ما في وقائع حقيقية تعمد فيها أصحابها ألا يفعلوا أي شيء وكأنهم «سابوا الورقة فاضية»!

من موسيقار يكتب مقطوعة بلا أي صوت إلى مؤلف ينشر كتابًا ليس فيه كلمة، واحدة وهناك ما هو أغرب. تعددت الأسباب وتبقى «الولا حاجة» جذابة كما سنرى في هذا التقرير من «شبابيك».

كتب «فاضية» تمامًا

من المعروف أن الدفتر أو «الأجندة» تكون فارغة تمامًا من الداخل حتى تكتب فيها ما تشاء، لكن الجديد وربما الغريب أن تجد كتابًا منشورًا لمؤلف بعينه وقد ترك صفحاته كلها فارغة بيضاء!

هذه الفكرة تكررت كثيرًا في أوروبا وفي عالمنا العربي كذلك، لكن لماذا ينشر المؤلف كتابًا فارغًا تمامًا أو بمعنى أصح لا يكتب منه إلا العنوان؟ إليك السبب حسب حالة كل كتاب:

الأمور التي تشغل تفكير كل رجل.. إلى جانب التفكير في الجنس
كتاب الأمور التي تشغل تفكير كل رجل.. إلى جانب التفكير في الجنس

هذا العنوان الطويل اختاره البروفيسور شريدان سيموف لكتابه الشهير الذي وصل لقائمة أعلى المبيعات في بريطانيا بعد إصداره عام 2011، فقد أراد الجميع أن يعرفوا الأمور التي تشغل تفكير الرجال إلى جانب الجنس من وجهة نظر المؤلف.

هنا كانت المفاجأة التي تحدثنا عنها، فالكتاب فارغ تمامًا وليست فيه كلمة واحدة، وهذا ما أراد البروفيسور «سيموف» قوله بطريقة جديدة، أن الرجال لا تشغلهم أي أمور أخرى بجانب التفكير في الجنس! وصفحات الكتاب، التي وصلت إلى 200 صفحة فارغة، خير دليل.

كيف يفكر القذافي؟

انتقلت هذه الفكرة إلى العالم العربي في 2012، حين أصدر الكاتب والمذيع السعودي تركي الدخيل كتابًا بعنوان «كيف يفكر القذافي؟» ومحتواه 200 صفحة فارغة على سبيل السخرية من الحاكم الليبي معمر القذافي بعد رحيله.

كتاب آخر أصدره تركي الدخيل بنفس الطريقة وأسماه «كيف تربح المال بأقل مجهود!» وفي نهاية الكتابين يختتم «الدخيل» الصفحات الفارغة بجملة: أرجو أن تكون الفكرة وصلت بوضوح.

كل ما يعرفه الرجل عن المرأة

كتاب آخر لطبيب نفسي يدعى آلان فرانسيس كان يرى أن الرجال لا يعرفون أي شيء عن النساء، وبالتالي لو وجدنا كتابًا عن خبرة الرجل بالمرأة لكان خاليًا تمامًا وهذا ما حدث في 128 صفحة فارغة نشرها الطبيب النفسي عام 2014!

مات الكلام

كتاب مصري آخر فارغ صدر عام 2014 للكاتب حسن الحلوجي بعنوان «مات الكلام»، وكان احتجاجه هذه المرة على ظاهرة «الأعلى مبيعًا» في الوسط الثقافي، وانحطاط الذوق العام الذي جعل كتبًا ردئية تتصدر قمة المبيعات.

كل ما قام به العرب

الحقيقة أن مصر كان نصيبها من هذه الفكرة مبكرًا، في 2003 أصدرت الشاعرة وفاء المصري كتابًا فارغًا بعنوان «كل ما قام به العرب» مع عنوان فرعي طويل هو «حيال الجرائم الصهيونية والإرهاب الأمريكي منذ توقيع ميثاق جامعة الدول العربية عام 1945 وحتى الاحتلال الأنجلوأميركي للعراق 2003».

وتفسر «المصري» إصدار الكتاب فارغًا على سبيل الإحساس بالعجز والاشمئزاز من كل ما يجري حولها للعرب، فلم يعد للكتابة أي مغزى أو فائدة، ولم يعد الكلام مجديًا عن تحليلات سياسية وتصريحات فارغة.

صحافة بيضاء تحتج

جريدة النهار تصدر بيضاء تمامًا على سبيل الاحتجاج

الصحافة أيضًا كان لها نصيبها من الاحتجاج بصدور مساحات خالية تمامًا بلا أي كلمات، مثل صحيفة «واشنطن بوست» التي وضعت عمودًا فارغًا على سبيل نعي الكاتب جمال خاشقجي الذي اعتاد مهاجمة السلطات السعودية في هذا المكان.

أما جريدة النهار اللبنانية فقد صدرت كاملة يوم 11 أكتوبر الجاري بصفحات بيضاء احتجاجًا على الأوضاع الكارثية في لبنان بحسب الصحيفة، وما وصفته رئيسة التحرير قائلة «نهار أبيض بوجه الظلمة».

صوت الصمت.. موسيقى بلا موسيقى

ومن الكتب إلى الموسيقى، فكما اختار الكاتب عنوان الكتاب فقط وجعل الصفحات فارغة، اختار الموسيقار الأمريكي جون كايج عنوان مقطوعة موسيقية وأسماها 4:33 لكنه لم يعزف فيها أي شيء، هي مجرد صمت مطبق!

يفسر الموسيقار الأمريكي فكرة مقطوعته الصامتة بأن كل ما نفعله في حياتنا هو موسيقى، وبالتالي فإن الصمت نفسه في حد ذاته موسيقى، لهذا يدخل الموسيقار الكبير ويجلس أمام البيانو لمدة أربع دقائق و33 ثانية بدون أن يفعل أي شيء.

وصلت مشاهدات المقطوعة الصامتة على موقع يوتيوب إلى 4 مليون مشاهدة، وبعض النقاد يعتبرونها العمل الموسيقي الأكثر جدلاً في القرن العشرين، أما صاحبها فيقول أنها أهم مقطوعة «ألفها» في حياته.

لوحة فنية ولكن..

الفن المخفي.. الجمهور يشاهد فراغًا على أنه لوحات

ربما يصعب على البعض أحيانًا أن يفهم اللوحات الفنية التجريدية ذات الخطوط المبعثرة والشخبطات الغامضة، لكن ما رد فعل الجمهور على لوحة فارغة تمامًا لا تحتوي أي شيء أصلاً؟!

لانا نيوستروم فنانة تشكيلية شابة تنتهج ما يُسمى بالفن الخفي، فقد أقامت معرضًا فنيًا لا يحتوي إلا على لوحات فارغة. يصف مدير أعمال الفنانة لوحاتها بأنها أعظم الفنون التشكيلية حاليًا، لأنها ترسم ما لا تراه.

الفكرة هنا كما تشرحها الفنانة هي أن الجمهور سيتخيل ما يريد رؤيته في اللوحة، لهذا هي لا تفرض عليه رسمة معينة، ولأنها واثقة من روعة (فنها) فقد باعت 4 لوحات بالفعل، كما وصل ثمن إحدى اللوحات الفارغة لمليون دولار!



0
0
0
0
0
0
0