رغم الاتفاق على بعض الثوابت، تختلف طريقة ومعايير اختيار الزوجة من عصر لآخر وفقاً لتطور المجتمع وحداثته، وخاصة أن بعض هذه الطرق والمعايير تربط بالعادات والتقاليد السائدة. الدكتور محمد حسن غانم رصد في كتابه «أفراح الغلابة والأكابر» كيف اختار المصريون زوجاتهم في بدايات القرن العشرين -قبل أكثر من مائة عام-  استناداً إلى بعض الأغنيات الشعبية. 

رمي السُرة والسوق

كان الشاب لا يعرف شيئاً عن عروسه، والأم أو من يقوم مقامها هي التي تقوم باختيارها من خلال محيط أقاربها، أو أقارب الزوج، أو من الجيران.

أما الريف فقد كانت هناك طقوس قطع السُرة وإلقاءها في ماء جاري، على أن يبتسم أو يضحك الشخص الذي يقوم بإلقاء السُرة أو الخلاص في الماء، حتى تكون الفتاة أو الفتى (صاحب الخلاص) إنساناً مرحاً، وبشوشاً، ودوداً مقبولاً من قبل الآخرين.

وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذه العادة التي ما زالت عالقة في أذهان الكثيرين إلى درجة الاعتقاد، فقد تنذر الأم ابنتها إبان طقوس إلقاء (خلاص أو سُرة الفتاة) للزواج من ابن عمها، أو ابن خالها أو خالتها، أو ابن عمتها، أو ابن أحد المعارف أو الجيران.

وقد تختار الأم عروساً لابنها من خلال ترددها على السوق، حيث تدقق في بعض الصفات في الفتيات مثل الطول، والعذرية، ولون الشعر، ومدى حياء أو خجل الفتاة، حيث كانت الفتاة الخجول أو التي تتظاهر بذلك موضع اختيار سريع وحاسم من قبل أم العريس.

دليل الأغاني

لكن الملاحظ أن العديد من الأغاني التي ما زالت تتردد حتى الآن تحولت في تلك الفترة إلى «دليل» في الاختيار، وتحذر الرجال من فتيات بصفات سيئة، وتحبذ اختيار فتيات بصفات جيدة، وهذا ما عكسته هذه الأغنية:

ما تبصوش لحلاوتها/ ولا لخرطة قصتها/ قدام الفرن يا وكستها/ تعالى يا جميل/ يا صاين الوداد/ ما تاخدش السهتانة/ ولا أم كحلة ولبانة/ تاكل وتعمل عيانة

ويتضح من هذه الأغنية عدة أمور يجب أن تتوافر في زوجة المستقبل، منها الجمال الفطري والطبيعي، وإجادة عمل البيت خاصة ما يتعلق بعمل الخبز، مع التحذير من الفتاة المتمارضة (الكسولة)، أو تلك التي تبالغ في (تزويق) نفسها لأن المبالغة تخفي ورائها (قبح الشكل)، وكذلك التي تبالغ في (تكحيل عينيها) لأن المبالغة في التزين تساهم في ضياع الوقت الذي من المفترض أن يوظف في أعمال أخرى أكثر إفادة.

أصل العروسة

وهناك أغنية تنصح العريس وكذا أهل العروس بتحري الأصل عند اختيار الزوج أو الزوجة المناسبة:

أوصيك يا خاطب دور على الأصل/ ماتقولش البياض/ ما تقولش السمار/ ماتقولش الجمال/ ماتقولش الغنى والمال/ دور على بنت الأصول/ اللي لا ترضى لك بالعار (أي لا تنحرف بل تصون عرضك أثناء غيابك أو حتى في وجودك)/ ولو بالنار ضربوها (أي لا تنحرف تحت أي ضغوط مهما كانت درجتها أو قسوتها).

أوصيك يا خاطب/ لغير الأصل العريض (أي العريق) لا تميل/ خليك ورا الحرة لو كان الطريق مية ميل (أي مائة ميل)/ تعيش على الوقت، لو كان السفر مية ميل (أي تتحمل كافة الضغوط وفي كل الأوقات)/ وتعيش شريفة ولغير الحلال ما تميل/ وفي العرض ما تميل ولو ضربوها بالنار.

يا خاطب البنت روح للبنت دار أبوها/ ما دام أصيلة وأهل الأصل داروا بيها/ بنت الأكابر وعايشة في خير دار أبوها/ حرة وأصيلة رباية عز وكريمة/ ولا تقبل العار ولو بالنار ضربوها.

والأغنية تقدم مجموعة من النصائح للعريس الذي يريد الاختيار، حيث تحبذ اختيار الأصل والتربية التي تمنع الفتاة من الانحراف، وتؤكد أن هذه الفتاة هي التي ستصون العرض والكرامة، ويكفي أنك حين تختارها ستدخل دار أبيها وسوف يقدرّون هذا الاختيار ولن يتفننوا في إثقال كاهلك بالمتطلبات.

كما توجد أغنية أخرى تحبذ اختيار البنت الأصيلة، تقول:

ياللي غويت النسب مهرك يكون وياك/ ياللي غويت النسب سيبك من الأملاك/ وع الأصل دور/ دور على الأصيلة/ تصبر على طول الزمن وياك/ ياللي غويت النسب/ إن كان بدك تناسب ناس لجيرانها/ تعيش على الملح (أي تصبر في رحلة الحياة معك إلى درجة الكفاف وأقل الأشياء ولا تنظر عينيها إلى أبعد من ذلك)/ ولا تشكيش لجيرانها.

الصور الفوتوغرافية

وفي بداية العشرينات من القرن الماضي وحين عرفت مصر التصوير الفوتغرافي، كان هذا التصوير فرصة أمام الكثير من الأمهات وبناتهن للحصول على زوج مناسب، حيث كانت الأمهات يعطين هذه الصور للخاطبة والتي تقوم بدورها بعرضها على والدة العريس.

ورغم أن مصوري الفوتوغرافيا كانوا يتفننون في إظهار الجوانب التي تظهر جمال الفتاة، إلا أن الصورة في حد ذاتها كانت بمثابة ذريعة لأن الخاطبة كانت من خلال الصورة تقدم العديد من الأوصاف (المبالغ فيها في الغالب) عن الفتاة، وكان من مصلحة الخاطبة أن تتم هذه الزيجة لأنها ستستفيد مالياً من كلا الطرفين.

لذا كان من أدوات الخاطبة في ذلك الوقت (ألبومات) صور وملفات وبيانات أساسية للمعلومات الخاصة بكل شاب وفتاة، وكافة بياناته الأولية من حيث السن والتعليم والمهنة.



المصدر

كتاب «أفراح الغلابة والاكابر». الدكتور محمد حسن غانم.

0
0
0
1
0
0
0