«كتب عليكم القتال» رسالة قالها حمدي قنديل بالفم المليان وليس بقلمه الرصاص، لثوار 25 يناير، لشحذ هممهم من أجل الثصدي لمحاولات المجلس العسكري، الذي أدار مقاليد الحكم عقب تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، لتشويه 25 يناير وإعادة البلاد إلى سيرتها الأولى.

بإطلالة جريئة وكلمات رشيقة، اختزل صاحب «قلم رصاص» فجوة عمرية كبيرة مع الشباب من أجل الوقوف معهم على خط المعركة. تفاصيل كرست شخصيته الصلبة في مواجهة السلطة التي اختار أن يكون على يسارها دائما.

رحل جسد قنديل بعد رحلة 82 عاما، لكنه ترك إرثا كبيرا في مجال الإعلام المرئي والمقروء يحفظه أبناء جيله، وكذلك الأجيال الشابة التي ارتبطت به إبان ثورة 25 يناير، فتكونت صورة مثالية تشبه مرتبة «رئيس التحرير» التى يسعى إليها كل من يعمل في هذا الحقل.

 من الطب إلى الصحافة

حمدي، المولود في 1936 بقرية كفر عليم في المنوفية، درس 3 سنوات في كلية الطب، قبل أن يقرر العمل في الصحافة وينضم إلى فريق عمل مجلة «آخر ساعة» عام 1951، ليعمل في نشر رسائل القراء مقابل بضعة جنيهات شهريا.

رئيس التحرير

اشتهر قنديل بمواقفه المعارضة لنظامي أنور السادات وحسني مبارك، فكان محسوبا على التيار الناصري المعادي لسياسات كلاهما، لذا كان متحمسا للقضايا القومية في برنامجه «رئيس التحرير» على التلفزيون المصري، الذي عرفه المصريون من خلاله، وتسبب حماسه في إيقاف البرنامج بعد هجومه على الحكام العرب بسبب ما رآه من صمت تجاه جرائم إسرائيل.

وبحسب كتابه «عشت مرتين» الذي يروي فيه سيرته الذاتية، اختار «رئيس التحرير» اسما لبرنامجه الأول على التلفزيون المصري، لأن معناه أنه المسئول عما يقول، ولا يتقبل تعليمات من أحد.

بحسب المذكرات أيضا، فإسرائيل كانت هدفا دائما لحلقات البرنامج، وفى إحدى المرات وصف شيمون بيريز بالنازى، وصمم الرقيب على حذف العبارة، وكان يعرف سلفا أنه لو تقدم بشكوى لصفوت الشريف فى هذه الحالة فلن يحصل منه على شىء؛ ذلك لأنه نبهه من قبل أن الرئيس الأسبق مبارك منزعج للغاية لأنه وصف الإسرائيليين بالسفلة.

ساءت علاقة قنديل بصفوت الشريف بعد حذف إحدى فقرات برنامجه أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حينما ردد مقولته: «رفعت الأقلام وطويت الصحف»، إلى أن قرر وزير الإعلام إيقاف البرنامج في الغزو الأمريكي للعراق في 2003.

ضد مبارك.. أب وابن

ارتبط اسم قنديل بمعارضة مبارك حتى بعد تقديمه برنامجه «قلم رصاص» من دبي، وهو ما دفع المعمر القذافي لسؤال عن سر معارضته للرئيس المصري، فجاء الحوار:

عندما دخلت عليه مكتبه بادرنى بالسؤال: «لماذا إصرارك على الهجوم على الرئيس مبارك؟»، قلت: «يا سيادة العقيد أنا لا أهاجم، أنا أنتقد»، قال: «ولكن ما اعتراضك بالذات على جمال مبارك؟»، أجبت: «ليس لى عليه أى اعتراض كشخص»، ثم أضفت: «لكن الجمهوريات لا تورث يا سيدى».

انتظر حمدي الفرصة المناسبة للتعبير عن رفضه لمبارك حتى شارك في الهيكل الأساسي للجميعة الوطنية للتغيير التي تزعمها محمد البرادعي ورموز العمل السياسي المعارض حينذاك، فصار متحدثا رسميا لها حتى اندلعت ثورة 25 يناير وصار أحد روادها.

قلم رصاص.. انزواء النجوم

بعد إعادته برنامج «قلم رصاص» على قناة التحرير في الشهور التالية لثورة 25 يناير، حاول الحفاظ على بريق الثورة وأقلامها الإعلامية أمام بروباجاندا الثورة المضاة من خلال زاوية يومية يعلق فيها على الأحداث. ومنذ أن غادرها لم يعمل قنديل مجددا بسبب انخفاض سقف الإعلام في السنوات الأخيرة.

وحكى الإعلامي الراحل أنه طالب وزيرة الإعلام عقب أحداث فض رابعة بتقديم برنامج خفيف يهدأ به حساسية الأجواء في مصر بعد هذا الحادث، لكنه لم يتلق ردا وبدأ يدرك أنه من الممنوعين من الظهور في ماسبيرو.

يقول قنديل عن ابتعاده عن الشاشة: «التليفزيون الرسمي لا يرحب بي، والتلفزيونات الخاصة لا تريدني، ومن حين لآخر أجد من يدعوني اتفضل قدم برنامج عندنا، لكنها مجرد مجاملات».

لا تقطعوا عيشكم

يوجه رئيس التحرير الراحل رسالة إلى شباب المهنة الذين يرابط بعضهم الآن في المنازل ويتشبث آخرون بأنصاف الفرص، قائلا: «أعتبر أن من حسن حظي أن ليس لي أولاد، لكن لو كان لي ابن يعمل في الإعلام فلا أعرف بم كنت سأنصحه؟ لكني أقول للإعلاميين الشبان (ما تقطعوش عيشكم)، مندهش حقا من أن المواقف البطولية ذات الضمير لا تأتي سوى من الشباب صغير السن، بينما من ينبغي أن يعترض على الانتهاكات في المؤسسات الإعلامية هم من يحتلون المواقع القيادية من رؤساء الأقسام ومديري التحرير».



0
0
0
0
0
0
0