يختلفون في مدريد على أعظم أساطير النادي الملكي بين ألفريدو دي ستيفانو وراؤول غونزاليس وكريستيانو رونالدو، أما في القاهرة فمحمد صلاح حجز مقعده كأفضل لاعب كرة قدم في تاريخ هذا البلد، على مستوى الإنجازات، لكن إذا اقتربت أكثر إلى التتش بجزيرة الزمالك، ستجد شخصا آخر متربعا على عرش كرة القدم. ليس هو صالح سليم صاحب التمثال والأرض أو رئيسه الحالي محمود الخطيب، فهو أبوتريكة الذي قاد الأهلي عقدا كاملا بدون شارة قيادة.

لم يكن أبوتريكة، الذي يحتفل اليوم 7 نوفمبر بعيد ميلاده الـ40، مجرد لاعب كرة قدم موهوب يحرز الأهداف ويحصد الكؤوس في أمتارها الأخيرة، فالشخصية والظروف لعبتا دورا كبيرا في هذه الحالة الاستثنائية، فمن غيره سيرتحلون خلفه من العتبة وشبرا، وتزين صورته دولاب غرفتهم، سوى هذا الاستثنائي الذي تجاوزت أسطورته المستطيل الأخضر.

 من الصفر إلى المجد

تضرب قصة حياة أبوتريكة نموذجا رائعا في جينات التحدي عند الفقراء والمكافحين في هذا البلد، فلم يخجل الساحر الأهلاوي يوما من عمله في مصانع ناهيا التي ولد فيها.

«كنت بصحى لصلاة الفجر وأفطر وأتوجه للعمل فى المصنع وكنت بعود بعد صلاة المغرب وغالبا كنت أتوجه إلى نومى بسبب إحساسى بالتعب والإرهاق، فى السنه التانيه لعملى فى المصنع كنت بشتغل فى عمليه تقليب المونة وكنت عملية صعبه جدا ومرهقه، العمل ده ساعدنى فى تقوية عضلاتى وإعدادى بدنيا فهو أقوى من أى تدريب كرة الآن» .

يقول عن علاقته بوالده: «أنا بفتخر بأبويا اللى بيشتغل جناينى، عمرى مكنت غاضب منه. العمل شرف أى كان. كنت اتمنى راحته بعد كل سنوات العطاء دى، هو كان دايما يقول أنا أحب أكل من عرقى والإيد البطالة نجسة وأنا بشوف أبويا فى صوره البطل اللى كافح وبفتخر بيه لحد النهارده عشان هو معتز بعمله».

الفلوس مش كل حاجة

الأموال ليست كل شئ عند أبوتريكة، فالرجال تصنع الأموال، كما قال، لذا لم يفرط في حب الجماهير حينما أغدقته الأندية بعروض سخية لترك الأهلي، بغية الحفاظ على حب الناس.

يقول: «هي الفلوس مهمه عشان أسرتي وتأمين المستقبل ده بيد ربنا سبحانه وتعالي، وفي السماء رزقكم وما توعدون، انت لازم يكون عندك رضا لأن الرضا ده رزق من ربنا , ناس كتير يكون معاها ملايين بس مبتعرفش تنام عشان مفيش عندها رضا، حته الرزق دي موجودة، الكورة دي رزق، حب الناس دي رزق، أولادك ودعا والدك ووالدتك ليك رزق، الفلوس مش كل الرزق بس هي حاجه ملموسة بين الناس فقط».

صديق التالتة شمال

«من العتبة جينا ومن شبرا .. يا تريكة.. يا أبو فانلة حرير حمرا .. يا تريكة» هكذا خلد أبناء الثالثة شمال سيرته بهتاف يربطه بالبسطاء الذين يقطنون المناطق الشعبية والتاريخية، والفانلة الحمراء ذات الملمس الحريري. فكان هو صديقهم المقرب الذي يجلب إليهم الانتصارات ويهدي لهم الكؤوس. لم ترتبط جماهير الأحمر بلاعب كما ارتبطت به، فهو الأمل والمنى بالنسبة لهم، فكان سببا دائما للفرح وحاضرا أيضا عند الشعور بالتقصير مع فقدان أي بطولة.

علاقة الماجيكو بجماهير الثالثة شمال، المدرجات الخاصة برابطة الأولتراس المصري، بدأت قوية منذ أيامه الأولى في التتش، حتى شهدت فترة ذروتها مع أحداث مذبحة بورسعيد، التي راح ضحيتها 74 شهيدا من شباب الرابطة، حينما أعلن صاحب التيشرت 22 امتناعه عن اللعب قبل القصاص للجماهير، فوقف أمام مدخل النادي محمولا على الأعناق ومحاطا بأوشحتهم وهو يردد هتافهم «يا نجيبب حقهم .. يانموت زيهم». خرج الساحر عن طوع إدارته ومنظمومة الرياضة بأكملها فنصب نفسه ملكا في قلوب الحماسيين ومدرجهم الصاخب دائما.

صاحب موقف: «السياسة والكرة متلازمان»

قبل 2011، لم يكن للساحر الأحمر أي نشاط سياسي معروف، فكان واحدا ممن يلتقطون الصور التذكارية مع حسني مبارك، الراعي الرسمي للرياضة المصرية، إلا أن لقطة التعاطف مع شعب غزة ضد العدوان الإسرائيلي خلال احتفاله بهدفه في مرمى السودان ببطولة أمم أفريقيا 2008 كانت التعبير الوحيد على أنه ليس مجرد لاعب كرة قدم، لكنها لم تحمل أي شكوك عن انتماءاته السياسية.

هذا على مستوى السياسي، أما دينيا فكان ملتزما ومواظبا على الصلاة يتبرع للمحتاجين، فصار قدوة لجيله يؤمهم في الصلاة وفعل الخير.

كان هذا قبل 2011، حتى جاءت لحظة الحسم في ثورة 25 يناير، فاختار تريكة ميدان تحرير، معقل الثوار، بينما ذهب زملاؤه إلى مصطفى محمود لتأييد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ليقول كلمته الأولى في معترك السياسة.

واصل القديس الانغماس في معترك السياسة بالمشاركة في فعاليات جماعة الإخوان بعد ثورة 25 يناير، حتى توج ذلك بالدعوة لانتخاب محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية الأولى حينذاك التي حسمها مرشح الإخوان أمام الفريق أحمد شفيق.   

يحكى حسام غالي، قائد الأهلي السابق، أن تريكة خالف نصيحة البرتغالي مانويل جوزيه حين تحدث إلى اللاعبين عن مخاطرة الانضمام إلى تنظميات سياسية، فقال لهم: «فى بلدى البرتغال حدث معنا نفس ظروفكم..أنصحكم نصيحة..لا تنضم لأى حزب أو كيان وتحسب نفسك عليه..أنت لاعب ملك للشعب المصرى كله..جماهير ناديك كلها».

علاقة أبوتريكة بالإخوان لازالت غامضة، فرغم نفيه لها، لكن الارتباط بعلاقات تجارية صعب من الأمور بعد إدراجه في قوائم الإرهاب، لكن تؤكد أيضا أنه لم يرتض بمقولة فصل السياسة عن الرياضة، فمواقفه من دعم القضية الفلسطينية ودعم ثورة 25 يناير وتأييد محمد مرسي في الانتخابات، شواهد على أنه لا يريد أن يكون معزولا عن السياق السياسي.

 

مستقبل الماجيكو

في عامه الأربعين، يعيش أبوتريكة أياما غامضة وشديدة الرمادية، فبعد أن كان الجميع ينتظهر ليقود الأهلي من مقاعد الإدارة أو الخطوط الفنية، فوجئ بحصاره قضائيا على ذمة قضية تمويل الجماعات الإرهابية، ليضطر إلى المكوث في قطر طوال السنوات الأخيرة.

يتوق الساحر الأحمر للعودة إلى مصر، يعلنها في كل مناسبة، لكن هل تكون أبواب السماء مفتوحة لأيادى طالما رفعت إليها.



0
0
0
0
0
0
0