شهد يوم 26 يوليو 1952 وقائع حاسمة ختمت حياة الملك فاروق في مصر، بدأت بالأصوات المزعجة لمحركات الطائرات الحربية التي كانت تغدو وتروح في سماء الإسكندرية، وانتهت برحيله إلى إيطاليا على متن «المحروسة». الدكتور حسين حسني السكرتير الخاص للملك روى في كتابه «سنوات مع الملك فاروق. شهادة للحقيقة والتاريخ» كيف كانت أحوال «فاروق» في ذلك اليوم.

تنازل ومغادرة

في صباح 26 يوليو وجه مجلس قيادة الثورة إنذاراً إلى الملك عن طريق رئيس الوزراء على ماهر باشا، يطلب فيه الفريق محمد نجيب من الملك «باسم الجيش الممثل لإرادة الشعب» التنازل عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد قبل الساعة الثانية عشرة ظهر ذلك اليوم، وأن يغادر البلاد قبل الساعة السادسة من مساء اليوم نفسه، وإلا فإن الجيش يحّمل الملك النتائج التي تترتب على عدم النزول على رغبته.

وأُوفد سليمان حافظ بك نائب رئيس مجلس الدولة إلى قصر رأس التين، ومعه وثيقة تحمل الصيغة القانونية الواجب توقيعها من الملك للتنازل عن العرش، وهو ما تم فعلاً وانتشر خبره بين الناس.

الاتفاق القائم

ويروي السكرتير الخاص أنه ذهب إلى القصر لتوديع «فاروق» قبل رحيله، قائلاً: رآني الملك، فأخذ يسألني عما عزمت على عمله، فقلت ليس في ذهني إلى الآن سوى انتظار ما تقضي به إرادة الله، فقال إنه طبقاً للخبرة السابقة وما يحدث عادة في مصر، فإنه لا يتوقع أن يدوم الاتفاق القائم اليوم أكثر من ثلاثة أعوام على أكبر تقدير، وربنا يلطف بالعباد ويخيب الظن ويطيل اتفاقهم لعمل ما فيه الخير لمصر.

وقال لي: «أنا أعلم أنه سوف يقال عني الكثير والكثير، ولذلك فإن كل ما يهمني هو أن تُعرف الحقيقة»، وبهذه الكلمات شد على يدي ثم أشاح بوجهه عني كما لو خشي ألا يستطيع التحكم في دموعه فقد كان في أوج انفعاله.

قبلة العلم

في حوالي الساعة الخامسة والنصف من ظهر ذلك اليوم، حضرت كتيبة من الحرس الملكي تصحبها الموسيقى وتحمل علم الحرس الملكي، فاصطفت على رصيف القصر فيما بين باب القصر ومكان رسو «اللنش» المعد لنقل المسافرين إلى الموقع الذي كانت ترسو فيه السفينة «المحروسة».

وعقب ذلك أخذ عمال القصر في نقل ما كان باقياً من أمتعة المسافرين إلى اللنش أو القارب البخاري الصغير الذي كان بالانتظار، وقبيل حلول الساعة السادسة بربع ساعة تقريباً خرجت الملكة ناريمان والأميرات فوزية وفايزة وفادية، والأمير أو الملك الجديد الطفل أحمد فؤاد تحمله إحدى المربيات ومن وقع عليهم الاختيار من الخدم – فيما عدا من تم إبعادهم إجابة لطلب قيادة الثورة طبعاً-.

قام القارب البخاري بنقلهم جميعاً إلى المحروسة ثم عاد إلى مرساه، وإذ ذاك خرج الملك من القصر وهو ينظر في ساعته، وفي الحال أدت الكتيبة له التحية، كما عزفت الموسيقى النشيد الملكي، ثم سار متجهاً إلى ناحية القارب البخاري.

ولكنه بعد تجاوز الضابط حامل العلم بخطوتين عاد مسرعاً، وأشار إليه أن يعطيه العلم وتناوله من يده، واحتضنه ثم قبله في تأثر بالغ، وكأنما أودع بهذه القبلة رسالة حب ووداع لكل من يظلهم علم مصر، والذي حرص على حمله بين يديه وهو يتقدم نحو القارب البخاري حيث وضعه.


تأخر الضباط

التفت «فاروق» بعد ذلك نحو السفير الأمريكي جيفرسون كافري وأخذا يتحدثان وهما يسيران ذهاباً وإياباً على الرصيف، ويظهر أن الحديث كان يدور حول تأخر مجيء أعضاء مجلس الثورة، وكانوا قد أبلغوا الملك عن طريق رئيس الوزراء والسفير أنهم سيكونون جميعاً في وداع الملك.

ونظراً لأن الساعة قد أوشكت أن تكون السادسة تماماً، فقد بدأ التساؤل عن السر في التأخير، وهل يحسن انتظار حضورهم أم تنفيذ ما تعهد به الملك وما طلب منه من الخروج قبل الساعة السادسة، فقرر الملك عدم الانتظار على الرصيف أكثر من ذلك وإذا حضر بعدها أحد لتوديعه فيمكنه الذهاب إلى «المحروسة».

وما كاد يقلع به القارب البخاري الصغير حتى وصل اللواء محمد نجيب ومعه باقي أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأخذ يبدي للسفير اعتذاره عن هذا التأخير، ثم أخذهم قارب بخاري آخر من القوارب الرسمية العديدة التي كانت تجوب المنطقة للحفاظ على الأمن واتجهوا إلى «المحروسة»، حيث استقبلهم فاروق وحياهم متمنياً لهم التوفيق في خدمة البلاد.

وعلى إثر نزولهم أخذت «المحروسة» تتحرك في طريقها إلى نابولي حاملة فاروق إلى حيث ذهب جده إسماعيل قبلها بعشرات السنين، ولكن مخلوعاً بإرادة الدول الأجنبية الاستعمارية وليس بإرادة جيش وشعب مصر- على حسب تعبير السكرتير الخاص.



المصدر

*كتاب «سنوات مع الملك فاروق. شهادة للحقيقة والتاريخ». الدكتور حسين حسني.

0
0
0
0
0
0
0