شوارع عاصمة النور تحولت لضباب مكثف، أدخنة القنابل المسيلة للدموع باتت تغطي سماء مدينة الأصالة الأوربية باريس، وحطم المحتجون مطاعم وواجهات متاجر في شارع الشانزيليزيه بفرنسا، بهدف الضغط على حكومة الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون، لتنفيذ مطالبهم.

منذ ما يزيد على 10 أيام يطالب المحتجون الفرنسيون، الذين أطلقت عليهم وسائل الإعلام «أصحاب السترات الصفراء» بخفض جميع الضرائب، وحل الجمعية الوطنية «مجلس النواب»، احتجاجا على تدهور المقدرة الشرائية للفرنسيين وحالات الخصخصة.

ونجح المحتجون خلال الأيام الماضية في سد الطرقات المؤدية إلى محطات الوقود والفضاءات التجارية الكبرى، وتقترح هذه الحركة الاجتماعية إدراج جميع المطالب للتصويت عليها في استفتاء شعبي، وهو ما ردت عليه الشرطة بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه تجاه المتظاهرين.

أسباب التظاهرات

انطلقت المظاهرات احتجاجًا على ارتفاع أسعار الديزل، وهو الوقود الأكثر استعمالًا في السيارات الفرنسية، بنسبة تقارب 23 %، على مدى الشهور الـ12 الماضية، حيث بلغ سعر اللتر 1.51 يورو، وهو أعلى سعر يصله منذ عام 2000.

ويرجع ذلك لارتفاع أسعار الوقود في الأسواق العالمية، ثم عادت للانخفاض، لكن حكومة ماكرون رفعت ضريبة الهيدروكربون هذه السنة بقيمة 7.6 سِنت للتر الواحد للديزل و3.9 سنت للبنزين، في إطار حملة لتشجيع استخدام السيارات الأقل تلويثًا للبيئة.

«أصحاب السترات الصفراء»

دعوات التظاهر التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعت المواطنين لارتداء «سترات صفراء»، وتقول صحيفة «الجارديان» البريطانية إن المتظاهرين لا ينتمون لأي مؤسسة وليس لديهم قائد مُحدّد أو توجّه سياسي مُعين، لكنهم عدد من المواطنين العاديين من أبناء الطبقة المتوسطة.

في مايو الماضي أطلق المحتجون عريضة للتوقيع عليها عبر الإنترنت، ودشنت عدة صفحات على فيسبوك وموقع إلكتروني خاص بالتظاهر الاحتجاجي.

وأطلق اسم «السترات الصفراء» على الحركة الشعبية المناهضة لغلاء المعيشة في فرنسا لأن المتظاهرين يرتدون سُترات صفراء عاكِسة للضوء، واستوحى المتظاهرون اسم الحركة من قانون فرنسي دخل حيّز التنفيذ في 2008، يوصي جميع قائدي السيارات حمل سترات صفراء مُميّزة وارتدائها عند الخروج على الطريق في حالات الطوارئ، بحسب صحيفة «سان خوسيه ميركوري نيوز» الأمريكية.

بعد إطلاق الدعوة للتظاهر رفضا لغلاء المعيشة، ورفع أسعار الوقود، لقيت الحركة ترحيبا كبير في الأوساط الفرنسية رغم كونها غير سياسية، حيث أظهر استطلاع رأي أجراه معهد «إيلاب» الفرنسي، أن حوالي ثلثي المشاركين دعموا «السُترات الصفراء» بينما أبدى 70% من المشاركين رغبتهم في تراجع الحكومة عن قرار الرفع الأخير لأسعار الوقود.

وحظيت الحركة بدعم أحزاب من اليمين مثل الجمهوريين واليمين المتطرف مثل «التجمع الوطني» إلى جانب حزب «فرنسا الأبية» اليساري، بقيادة النائب جان لوك ميلانشون، الذي أعلن دعمه للحركة، وفق فرانس برس.

وتواجه الحركة اتهامات باستغلالها من قبل اليمين المتطرف للتحقيق مكاسب سياسية على حساب المحتجين، حتى أن عيم حركة «الجيل سين اليسارية» بونوا هامون، أعلن دعمه لمطالب المعتصمين، لكنه رفض الدعوة للانضمام إليهم في الشوارع، معتبرًا أن حركته لا تشارك بتحركات يستغلها اليمين المتطرف لمصلحته الخاصة.

 

صدام دامي

بعد أيام من انطلاق الاحتجاجات أغلق المتظاهرون الطرق السريعة والمطارات والمحطّات وعدد من المواقع الأخرى في جميع أنحاء البلاد، بحواجز محترقة وقوافل من الشاحنات بطيئة الحركة، الأمر الذي عرقل الوصول إلى مُستودعات الوقود، ومراكز التسوق وبعض المصانع.

واشتبك المتظاهرون مع الشرطة في أكثر من موضع في العاصمة الفرنسية باريس، وأطلقوا الألعاب النارية والشماريخ، والحجارة تجاه رجال الأمن، وقدر عدد المصابين جراء الاشتباكات بأكثر من 100 مصاب.

 

وقال رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب إنه تم اعتقال أكثر من 100 متظاهر، فيما قامت إدارة النقل في مدينة باريس بإغلاق 7 محطات لمترو الأنفاق تحسبا للاحتجاجات العنيفة.

وقُدّر عدد المتظاهرين بنحو 300 ألف متظاهر، وانخض قليلا بعد ذلك وفقًا لوزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير.

وسقط أول قتيل جراء المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن الأحد 2 ديسمبر 2018، حسب ما ذكرت وكالة أنباء روسية.

وأعلن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية، بنجامين جريفو، أن باريس تدرس فرض حالة الطوارئ، في مواجهة احتجاجات «السترات الصفراء».

وأضاف في تصريحات لـ«راديو أوروبا 1»: «علينا التفكير في الإجراءات التي يمكن اتخاذها حتى لا تتكرر هذه الوقائع».

وأكد قال وزير الداخلية الفرنسي، كريستوف كاستانير، خلال حواره مع قناة «بي إف إم» الفرنسية، أن «الحكومة ستدرس جميع الإجراءات التي ستحمي وتؤمن بلادنا.. لا أستثني أي إجراء، وأنا مستعد لكل شيء". وأكد أن السلطات ستدرس كل الإمكانيات من أجل حماية البلاد من أي انفلاتات».

ومن بين المطالب التي رفعها المحتجين إقالة رئيس البلاد إيمانويل ماكرون، إلا أنه رد بأن السلطات الفرنسية تتفهم مطالب المحتجين، لكنها لا تنوي تغيير سياستها في مجال أسعار الوقود، كما توعد بزيادة النفقات على موارد الطاقة وبتخفيض حصة الطاقة الذرية بمقدار 50% بحلول عام 2035.



0
0
0
0
0
0
1