«إذا لم تجدوا الخبز فعليكم بأكل الجاتوه».. هكذا تشتهر الملكة الفرنسية ماري أنطوانيت بهذه المقولة لجموع الشعب الثائر على الفقر والجوع، إلا أن هذه الجملة مدسوسة ولم تخرج من فم الملكة كما تؤكد كتب التاريخ.

المؤكد بخصوص الثورة الفرنسية «1789» هو ما قاله عنها المؤرخ اللبناني أمين الريحاني بأنها «أهم وأعظم حادث دوَنه لنا التاريخ» في إشارة لأحداثها الملحمية وتصاعدها حتى النهاية بشكل دموي مخيف انتهى برؤوس الملوك النبلاء مقطوعة تحت سكين المقصلة.

لماذا قامت هذه الاحتجاجات وماذا حدث في كواليس الملكية ليسمح بحدوثها؟  تابع قصة الثورة الفرنسية في هذا التقرير.

الملك الجديد.. عاجز جنسيًا وفاشل إداريًا

 في 7 مايو 1774 مات ملك فرنسا لويس الخامس عشر بمرض الجدري، ليخلفه ابنه لويس السادس عشر في عمر 22 عامًا على العرش، لكنه لم يكن ذكيًا أو أهلاً لهذا الحمل الثقيل في إدارة دولة بأكملها.

كان الملك متزوجًا من الأميرة النمساوية «ماري أنطوانيت» لعمل تحالف دولي بين النمسا وفرنسا، فصارت حملاً إضافيًا عليه، لأنه بحد تعبير المؤرخين كان «غبيًا» من الناحية العاطفية ولا يجيد الغزل مطلقًا، بل يقضي وقته في صناعة الأقفال الحديدية في ورشة أعدّها لنفسه بالقصر.

في كتابه «الثورة الفرنسية» يصف الدكتور لويس عوض علاقة الملك بزوجته بأنها «التفسير الجنسي للتاريخ» لأن لويس السادس عشر كان عاجزًا عن إرضاء زوجته التي تعشق اللهو والمرح، وأجرى جراحات طبية خصيصًا لزيادة فحولته.

كل هذا دفع الملكة إلى اتخاذ أكثر من عشيق وتغاضي زوجها نفسه عن هذا لأنه يحبها، ومن هذه الأسرة المفككة المكونة من ملك ساذج وفتاة مدللة بدأت الثورة.

أسباب الثورة الشعبية

كانت الإدارة السيئة للبلاد هي المحرك الأساسي للثورة، أما الدوافع الأصلية لخروج الفرنسيين إلى الشوارع والمنشآت الوطنية فهي كالتالي:

ثقافة المجتمع

ظل لويس السادس عشر على نفس النهج الذي استخدمه الملوك السابقين في شأن المعارضة السياسية، فقد كبت الحريات ورفض الاعتراضات وقال جملته الشهيرة «أنا الدولة» إلا أن ظروف حكمه لم تكن كمن سبقوه.

انتشرت الأفكار الثورية في فرنسا بواسطة الفيلسوف «فولتير» الذي اهتم بنشر ثقافة تمكين الشعوب والمطالبة بالحقوق، كما تراجعت العاطفة الدينية التي تقدس الحاكم وشرعيته، بالإضافة إلى أخبار نجاح الثورة الأمريكية على الاحتلال البريطاني التي شجعت الفرنسيين.

الطبقية الشديدة

انقسم المجتمع الفرنسي وقت الثورة إلى 3 طبقات أساسية، أولها طبقة رجال الدين في القمة، ثم طبقة النبلاء، وكلا الطبقتين معفيتان من الضرائب، وفي النهاية طبقة الشعب الفقير بأكمله بكل من فيه من فئات مؤثرة كالفلاسفة والأطباء والمحامون والعمال.

مع الانحدار الاقتصادي انفجر الشعب ثائرًا على رجال الدين والنبلاء، مطالبًا بحقه في العيش الكريم ولقمة الخبز، خصوصًا مع البذخ الهائل الذي عاش فيه الملك وزوجته، ومن هنا كانت القصة الخرافية بشأن الخبز والجاتوه التي اخترعها العامة للتعبير عن الفقر.

اقتصاد ضائع

كانت خزينة الدولة فارغة تقريبًا بسبب قرارات الملوك منذ لويس الرابع عشر وحتى السادس عشر، فقد دخلوا في حرب «السنوات السبع» الاستعمارية مما أرهقهم بشدة ثم أتى القرار الأخير بدعم الثورة الأمريكية لتضيع المزيد من الأموال.

حاول لويس السادس عشر إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية إلا أن جهوده لم تحقق شيئًا بسبب تدخل ماري أنطوانيت وبعض رجال الدين والنبلاء، مما جعل الدين العام يرتفع من 300 مليون فرنك إلى 600 مليون في 3 سنوات فقط

شغب واقتحام

من قرارات الملك لويس السادس عشر الخاطئة، دعم الثورة الأمريكية لكراهيته لبريطانيا، مما شجع على قيام ثورة فرنسا، كأنما حفر لويس قبره بيديه، وكانت البداية حين رفض وزراء الملك اقتراحًا بزيادة الضرائب على النبلاء ورجال الدين لاحتواء الأزمة الاقتصادية، كما عزل الملك الوزير «جاك نيكر» صاحب الاقتراح.

اعتبر الشعب أن عزل الملك للوزير ضد إرادته خاصة بعدما نشر التقارير المالية على الملأ، فبدأ سكان باريس عصيانًا مدنيًا مفتوحًا في اليوم التالي، بينما لم يهتم بهم الوزراء والمسؤولين وتابعوا اجتماعاتهم، فظهرت أعمال الشغب والمظاهرات ضد النظام.

في 14 يوليو 1789 اقتحمت الجماهير سجن الباستيل الذي يمثل قوة الدولة في احتجاز المعارضين والمسجونين السياسيين، وبعد ساعات من المناوشات نجح المواطنون وقتلوا مدير السجن ثم قطعوا رأسه وطافوا بها في أنحاء المدينة.

لم يجد الملك مفرًا من إعادة الوزير «جاك نيكر» لمنصبه، لكن أعمال الشغب استمرت مما دفع النبلاء إلى الهرب خارج فرنسا كلها، وكانوا محقين لأن الجماهير الغاضبة بدأت غارات مسلحة على قصور هؤلاء الأغنياء المترفين فيما عُرف في التاريخ بهجمات «الخوف العظيم».

النتائج الأولى

سرعان ما ألغت السلطات النظام الإقطاعي في فرنسا بشكل رسمي، بالإضافة إلى جميع سلطات وامتيازات رجال الدين، كما أقرت الإعلان عن حقوق الإنسان الذي أصبح لاحقًا كمقدمة للدستور الفرنسي الذي يُعتبر أحد أهم المحطات في تاريخ تطور حقوق الإنسان.

برغم إقرار الملك للدستور الجديد، إلا أن الانقسامات داخال الثورة نفسها حالت دون نجاح النظام الجديد، وفشلت السلطة الثورية المنقسمة في إدارة شئون البلاد، بالذات في وجود قوى الثورة المضادة.

كل هذا دفع الملك إلى الهرب بأسرته من جحيم الثورة إلى النمسا بلاد زوجته، فتنكرت العائلة الملكية في زي الخدم ولكن تنكرهم افتضح وعادوا إلى باريس تحت الحراسة، إلى أن طارت رأس الملك بواسطة المقصلة في يناير عام 1793 بتهمة الخيانة العظمى. وتبعته زوجته في نفس العام.

نابليون وما بعد الثورة

ظلت الثورة الفرنسية تتخبط في سنوات رعب وفقر مع الكثير من الإعدامات المنظمة والثورات المضادة وإنشاء حكومة جديدة، حتى قرر نابليون بونابرت القائد الاستعماري في أفريقيا أن يعود إلى فرنسا لتخليصها من أزمتها والانقلاب على الحكومة سنة 1799 بمساعدة أخيه، وأزاح كل منافسيه لتقوية حكمه وأرسل جيوشه لتكوين إمبراطورية فرنسية.

بالفعل أصبح نابليون بونابرت أول إمبراطور فرنسي بعد الثورة بأربع سنوات وخصعت له أغلب دول أوروبا، قبل أن تهزمه قوى التحالف الأوروبية وتنفيه إلى جزيرة ألبا التي مات فيها عام 1821، مما جعل لويس السابع عشر يعود إلى الحكم وتعود معه الملكية إلى فرنسا مجددًا، حتى عام 1848 الذي شهد ثورات «الربيع الأوروربي» لتنتج عنها الجمهورية الفرنسية الثانية.



المصدر

*الثورة الفرنسية.. لويس عوض *الثورة الفرنسية الأولى.. حسان عمران *أدب الرحلات عند العرب.. رحلات أمين الريحاني

0
0
1
0
0
0
0