من خلف نظارة طبية، تطل على ملامح وجه طفولي بشوش، وملابس أنيقة تدل على خلفية تاريخية ربما لا يعرفها كثيرين، عن حياة الفنان المصري حسن كامي «ابن البشاوات»، ورغم وجاهة المظهر إلا أن للرجل حكاية قاسية تشبه أعماله الدرامية التي شارك فيها، أو المسرحيات التي قدمها على خشبات مسارح العالم.

 كامي الذي عرفته السينما المصرية مرات كرجل أعمال، أو في أدوار كبار المسؤولين، أو أصحاب الواجهات في المجتمع، هو سليل عائلة محمد علي، ولجانب أعماله الناجحة في مصر كان له نجاحات موازية في صنف آخر من الفنون غير الشهيرة بمصر.

لعب كامي أدوار البطولة في عدد من مسارح الأوبرا العالمية أبرزها، بطولة «أوبرا عايدة على مسارح الاتحاد السوفيتي- روسيا حاليا- 1974، كما أدى دور البطولة في 270 أوبرات عالمية على مدى 24 عامًا في إيطاليا، بولندا، فرنسا، الولايات المتحدة، اليابان، كوريا، الدنمارك».

لم يكن كامي مغني أوبرا عاديًا لكنه كان مميزا في هذا الفن منذ اكتشفه الفنان محمد نوح، وقدمه للمسرح المصري ليبدأ مشواره الفني بمسرحية انقلاب، لينال في مشواره الجائزة الثالثة العالمية في الغناء الأوبرالي من إيطاليا عام 1969، والجائزة الرابعة العالمية 1973، الجائزة السادسة من اليابان 1976، شهادة التقدير من السياحة والطيران المدني 1976، الميدالية الذهبية، الجائزة الأولى في مهرجان موسيقى الألعاب الأولمبية بسول بكوريا الجنوبية 1988.

 الجانب الشخصي من حياة حسن كامي كان أيضا مليء بالأحداث الدرامية، فالفنان لم يسعفه الحظ للتمتع بأموال عائلته، فصادرت ثورة 23 يوليو 1952، أموال عائلته، بموجب قانون التأميم الذي أصدره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ليبدأ كامي من الصفر.

عافر بعدها حسن كامي، المولود في 21 أكتوبر 1941 كثيرا حتى حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ودرس الغناء الأوبرالي بمعهد الكونسرفاتوار إلى جانب دراسات عليا بإيطاليا، وكان يعمل بجانب ميوله الفنية في مجال السياحة والطيران.

غرابة التفاصيل في حياة الفنان الذي توفي في 14 ديسمبر 2018، لا تختلف كثيرا عن قصة حبه لزوجته الراحلة نجوى، والتي يضرب بها الأمثال في الوفاء، وبدأت من على شاطئ النيل وتحديدا في نادي الجزيرة، حيث رأها للمرة الأولى وعمره 28عاما.

 لعبت الصدفة دورا في التقريب بين حسن ونجوى، حيث طالبته إحدى صديقاته في النادي أن يبحث عن وظيفة لفتاة صديقتها في شركة طيران التي كان يعمل مديرا لها، فطلب منها أن تحضر غدًا لتجري مقابلة معه لأنه يبحث عن سكرتيرة تجيد اللغات.

في حديثه عن هذه المرحلة يقول كامي في حوار له سجلته فضائية دي ام سي، «رأيت نجوى على مدخل نادي الجزيرة، ويومها أخذتني بجمالها، وتمنيت لو اتعرف عليها، لكنه تفاجأ بأن الفتاة التي تبحث عن عمل هي نفسها التي شاهدها في النادي».

ويضيف: «للمرة التانية اتخضيت من جمالها وقلت والله لو طلعت مناسبة لا تجوزها لكن للأسف كانت مسيحية، وبعد التعارف قلت لها أمامك 3 أيام وتردي علي هل موافقة على خوض المعركة لإقناع أسرتك بالزواج، فقالت لن أنتظر أيام أنا موافقة من دلوقتي».

عندما تقدم كامي لنجوى رفضت أسرتها هذا الزواج، فقد كانت عائلتها صعيدية محافظة، وكان والدها يعمل لواء في الجيش، إلا أنه أصر على استكمال المسيرة حتى نال قلبها.

يقول حسن إنه ذهب لقساوسة في الكنيسة ليتوسطوا له عند أسرة فتاته، وظل يداوم ويصر على طرق الأبواب ليكمل قصة حبه، وساعدته حبيبته في إقناع أهلها، ووافقوا بعد سنوات من الإلحاح والإصرار منهما.

الحياة لم تفتح أبوابها للأوبرالي العالمي كثيرا، فبعد قرابة عقدين من الزواج السعيد، فقد حسن ونجوى ابنهما شريف، وهو في عمر 18 عامًا، إلا أنه ككل الصدمات التي مر بها بدأ يتعافى تدريجيا حتى مرت المحنة، وظل مداوما على زيارة قبر نجله حتى وفاته.

 في العام 1986 تولي حسن كامي مع زوجته نجوى إدارة مكتبة اشتراها بوسط البلد كهدية لزوجته، أسماها مكتبة المستشرق، وأوصى أن ينفق ريع المكتبة عليها لضمان استمراريتها.

وعن ذلك، يقول إن المكتبة كانت ستتحول لمحل لبيع الأحذية وهو فضل أن يشتريها لتبقي كما هي مكتبة، لكن مع رحيل زوجته في عام 2012 تفرغ هو لإدارتها بنفسه.

في تصريحات سابقة يقول كامى، إنه يشعر بسعادة كبيرة عندما يقضى وقتا طويلا في المكتبة، فضلا عن قراءته للكتب، وهى هوايته المفضلة، مشيرا إلى أن كان يمثل ويسافر ويغنى في أكبر مسارح العالم، وزوجته الراحلة كانت تتولى شئون المكتبة، لكن بعد وفاتها كرس مجهوده لهذه المكتبة.

قبل وفاته بأيام نشر كامي على صفحته الشخصية بفيس بوك صورا له، وهو يجهز للاحتفال بالعام الجديد، بعدما زين شجرة الكريسمس في مدخل منزله، إلا أن القدر لم يسعفه.



0
0
0
0
0
3
1