ربما يعتقد كثير من المصريين بأن أول تواجد للعرب على أراضيهم كان في العام 20 للهجرة، إبان الفتح الإسلامي لمصر، وأن اللغة العربية لم تكن موجودة في الأراضي المصرية قبل ذلك، لكن المعتبر تاريخيا أن العرب تواجدوا في مصر قبل الإسلام بمئات السنين.

متى دخلت العربية مصر؟

تقول العديد من المراجع التاريخية أن القبائل العربية عاشت في مصر قرونا قبل الفتح الإسلامي، كما أن اللهجة المصرية الحالية هي خليط بين العربية الفصحى، والقبطية القديمة التي مازال المصريون يحتفظون بكلمات منها حتى الآن، وأن العرب المصريون كانوا عونا للعرب الفاتحين عبر التبشير بقدومهم.

في كتابه القبائل العربية في صعيد مصر، يقول الكاتب ممدوح عبد الرحمن الريطي، إن القبائل العربية تواجدت في مصر قبل عشرات القرون من الفتح الإسلامي، وأن العرب ربطتهم صلات قوية بالمصريين عبر تجارتهم التي كانوا يأتون بها سنويا لمصر.

الصعيد معبر اللغة للمصريين

ويشير الكاتب إلى أن محافظات الصعيد كانت على صلة قوية بشبة الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ لقربها منها حيث أنها لا يفصل بينهما سوى عبور البحر الأحمر.

كما أن العرب هاجروا إلى البلدان المجاورة لهم وكانت وجهتهم إلى مصر في أوقات الفقر، وخرج العرب من شبة جزيرتهم على شكل موجات أو هجرات متعاقبة للبحث عن حياة أفضل، واتجه عدد كبير من قبائلهم لمصر، ولم تعود هذه القبائل لبلدانها مرة أخرى بل سرعان ما اندمجت مع السكان الأصليين.

في العهود الفرعونية السحيقة أيضا عرفت مصر اللغة العربية فقد كانت الصحراء الشرقية وسيناء يسكنها العرب، حتى أن الحكام الفراعنة كانوا يطلقون على هذه المنطقة منطقة العرب، كما أن بعض القبائل العربية النازحة سكنت في منطقة ادفو بأسوان، وقفط بقنا.

كانت المنطقة الواقعة بين النيل والبحر الأحمر كانت مأهولة بالسكان العرب، وذلك أثناء زيارة المؤرخ الإغريقي هيرودوت، لمصر عام 445- 448 ق م، وكانت تعرف ببلاد العرب حتى عند الحكام الفراعين.

العرب فاتحين صنعوا تاريخ مصر 

المثير في سرد الكتاب أنه يقول إن العرب لم يأتوا لمصر كلاجئين فقط في بعض فترات الجوع والجدب في شبة جزيرة العرب، بل كانوا حكاما أيضا صنعوا تاريخ الأمة المصرية، حيث أنه يؤكد أن حكام مدينة طيبة الفرعونية كانوا عربا مثل الملك أحمس، طارد الهكسوس، وكامس مؤكدا أنه كان من سلالات عربية جاءت لمصر عبر الصحراء الشرقية.

ويشير الكتاب إلى حدوث هجرات عربية في أزمنة غابرة بشكل كبير ففي سنة 3500ق.م غزت أقوام سامية من عرب آسيا من شمال شبة الجزيرة العربية، وادي النيل وأحدثوا بعض المتغيرات على الشعب الحامي «شعب مصر نسبة لحام بن نوح» وعاشوا في مصر كلها ما بين أسوان والبحر المتوسط، وكان ذلك في عهد الأسرتين الأولى والثانية الفرعونية 3200ق.م.

تأثير العرب على القبطية

والتواجد العربي في مصر قبل الفتح الإسلامي أثر على لغتها القبطية التي كانت تعاني أصلا بسبب فرض اللغة اليونانية في بعض الحقب التاريخية، بنسبة تتخطي 60%.

ويقول: «حدث في عهد الرومان زمن الإمبراطور دقلديانوس (284_305م) أن تعرض وادى النيل لغارات قام بها العرب وكانت علاقات العرب مع مصر أحيانا تظهر بالجانب السلبي، ولكن سرعان ما يزول هذا الجانب عندما يسمح حكام مصر للعرب بمزاولة نشاطهم التجاري أو بالاستقرار في وادى النيل ومن تلك العلاقات أثرت اللغة السامية في اللغة المصرية القديمة بنسبة كبيرة».

ويذكر المؤرخ اليوناني استرابون «ت25م» أن مدينة قفط إحدى مدن محافظة قنا، كانت في عهد البطالمة والرومان بلدة نصف عربية، وذكر كثرة التجار العرب بمدن الصعيد المختلفة وإقامتهم بصفة دائمة فيها.

وسمح المصريون للعرب بأن يمارسوا دياناتهم كما شأوا حتى جاء العصر المسيحي، كما أن التاريخ المنسي يؤكد أن الرهبنة نقلت نقلت من مصر إلى بلاد العرب على يد الراهب هيلاريون.

النجار القبطي الذي بنى الكعبة

 ليس فقط العرب هم من عاشوا في مصر فبعض المصريين كان يعيش في مدينة مكة، ويثرب قبل الإسلام بعشرات السنين، حيث أن قبائل قريش استعانت بنجار قبطي اسمه باقوم في العام 606م، ليعيد بناء الكعبة بعدما طغى سيل عظيم على مكة صدع جدرانها.

العرب هاجروا إلى البلدان المجاورة لهم وكانت وجهتهم إلى مصر في أوقات الفقر، وخرج العرب من شبة جزيرتهم على شكل موجات أو هجرات متعاقبة للبحث عن حياة أفضل، واتجه عدد كبير من قبائلهم للمصر، ولم تعود هذه القبائل لبلدانها مرة أخرى بل سرعان ما اندمجت مع السكان الأصليين.

في كتابه القبائل العربية في بلاد الصعيد يؤكد الريطي أن التواجد العربي لم يقتصر على بلدان الصعيد بل حدث أن هاجرت بطون قبيلة خزاعة العربية إلى مصر والشام لأن بلادهم أجدبت، وكان يعيش كثير منهم في سنة 610م بالقرب من مدينة الأسكندرية عاصمة مصر آنذاك.

 لم يقتصر الأمر على ذلك ففي حواشيه يذكر المؤرخ المصري ابن عبد الحكم، أن العرب المصريين شكلوا جانبا من الجيش الروماني الذي تصدي للقائد المسلم عمرو بن العاص، وكانوا يشكلون بعضا من جند حصن بابليون الروماني.

ويشير الكتاب إلى أن القبائل العربية ساهمت بشكل كبير في التبشير بقدوم العرب فاتحين لمصر، وأنهم كانوا سببا رئيسيا في جعل مهمة الفتح سهلة، فلم يقاوم المصريين العرب، بل تاركوا المواجهة للجيش الروماني وحده، مؤكدا أن هذه القبائل ساهمت في عمل تغييرات خطيرة في شتى النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والعمرانية بمصر.



المصدر

*كتاب القبائل العربية في بلاد الصعيد، للكاتب ممدوح عبدالرحمن الريطي

1
1
0
0
0
0
0