يُطلق وصف «عرب 48» على أولئك الفلسطينيين الذين استطاعوا مقاومة الزحف الصهيوني في الداخل الفلسطيني وتشبثوا ببيوتهم وواجهوا المعوقات مُستغلين مُحاولات الحكومات الصهيونية المُتعاقبة على إيهام العالم بأن ثمة دولة تعددية قد تُقام على أرض فلسطين المنهوبة، وهناك ورث الأبناء عن أباءهم وأجدادهم بيوتهم القديمة، فرمموها ومكثوا فيها وتعايشوا مع المُستجدات.

غالبية فلسطيني الداخل (أي عرب 48) يُصنفون أنفسهم عربا، أو بالأخص فلسطينيين، ويحاولون الحفاظ على هويتهم العربية ويتوارثونها بين الأجيال، ولا يُفضلون مُغادرة بيوتهم للانتقال إلى خارج الأراضي المُحتلة، مُتمسكين بالأرض تحت أقدامهم وبالوطن في قلوبهم.

يقول أحد مفكري الكيان الصهيوني: «وجود أقليِّة عربية في إسرائيل يُشكل أكبر خطر عليها، إذا لم يكن الآن ففي المُستقبل، ويجب أن نعي لذلك ونمنعه بشكل لا يُثير الاحتجاجات العالمية، لكن إذا لم يكن بد من ذلك علينا تجاهل الرأي العام».

وهو هنا يُشير إلى حجر الأساس الذي بنى عليه الساسة الصهاينة رؤياهم في تعاملهم مع فلسطيني الداخل، فحاولوا بداية طمس هويتهم العربية، وذلك بالاعتماد بشكل أساسي وشبه كامل على اللغة العبريِّة في المدارس، حتى يخرج جيلا لا يعرفون العربيَّة إلا لماما، وكذلك منع إشارات الراديو العربي –خاصة المصري- من الوصول للداخل، حتى يُغلقوا صنابير الثقافة العربية التي ستجد الأرض مُشتاقة لها.

غالبية فلسطيني الداخل (أي عرب 48) يُصنفون أنفسهم عربا، أو بالأخص فلسطينيين، ويحاولون الحفاظ على هويتهم العربية ويتوارثونها بين الأجيال، ولا يُفضلون مُغادرة بيوتهم للانتقال إلى خارج الأراضي المُحتلة، مُتمسكين بالأرض تحت أقدامهم وبالوطن في قلوبهم.

كذلك أهملوا المدارس العربية ووضعوا المعوقات أمام تدريب المدرسين، ليخرج جيلا أقل في مستوى التعليم من نظيره الصهيوني، بل وأشاعوا عنهم أنهم متخلفون في العلم والثقافات العامة آملين أن يكون ذلك دافعا لهؤلاء الشباب حديثي السن أن يتجنسوا بثقافة عدوهم سعيا للرُقي المزعوم.

وإذا ما انتهى الشاب من دراسته بنجاح، وضعوا أمامه المعوقات في إيجاد العمل فلا يجده إلا بعد سنين أو قد ييأس قبل أن يجد عملا مُناسبا لتعليمه الدراسي.

فهل نجحوا في ذلك؟

في مواجهتهم نشأ جيلٌ مُقاوم، والمُقاومة هنا لا تعني فقط مقاومة المُحتل بالسلاح، بل مقاومة الثقافة الدخيلة والفكر الذي يُريدون فرضه غصبا على عقولهم.

اللغة العربية على سبيل المثال استمرت هي اللغة التي يتحدث بها الجميع، بل ويتقونها أكثر من بعض الشعوب العربية في الدول الأخرى، وكذلك حاول المدرسون ألا يتوقفوا عند المناهج التي تفرضها الوزارة عليهم –وهي مناهج متدنية وليست ذات قيمة وغرضها التجهيل– إلى مناهج إضافية قد تُساهم في إنماء الطالب علميا بشكل أفضل، وكذلك رفضهم تدريس التاريخ الصهيوني واعتباره خيانة لقوميتهم العربية.

ولم يكن الطريق مُمهدا لهم بالطبع، فثمة حوادث قتل تعرض لها بعض الطلاب، ورسائل تهديد وكراهية تُركت أمام أبواب حجراتهم، لكن في النهاية تغلب المجموع على تلك الضغوطات ليرفعوا من نسبة المُتعلمين دون تنازل عن لغتهم وهويتهم.

وكذلك الحال في الثقافة، فأخرج لنا الداخل الفلسطيني أدباء عظام، منهم من دخل السجون الصهيونية سنين ثم خرج منها ليُسافر إلى خارج البلاد ليتمكن من استكمال رسالته، أو قاوم بقلمه وكتاباته مُستخدما التلميح لا التصريح، لكن ذلك التلميح كان في مُجمله صدَّاعا بالحق حاملا للقضيَّة.

الأسماء كثيرة، محمود درويش، سميح القاسم، حبيب قهوجي، صالح برانسي، توفيق زياد، وصبري جريس وغيرهم العشرات ممن كانت لهم إسهامات جليلة في الأدب المُقاوم، والذين حملوا شعلة التقدمية في مواجهة العدميَّة التي كانت تدفع بها مكنات الشحن الإعلامي الصهيوني، ليبثوا من خلالها رسائل الإحباط والتخلف.

والأدب الفلسطيني المقاوم يستحق أن أفرد له مساحة خاصة لأحكي عنه وعن تطوره وعن رجاله الذين أمضوا سنينا في السجن أو في المنفى بسبب كلماتهم التي كانت كالرصاص، لكني هنا سأكتفي بالإشارة إلى مسرحية بيت الجنون التي كتبها توفيق فيَّاض، ليقف بطلها ليقوم بدوره وحيدا مُنفردا، يُخاطب الجمهور بأنه لن يُغادر بيته، بالرغم من كونه وحيدا على المسرح، وحيدا تماما، لا يقف بجانبه أحد، لكنه لن يُغادر أبدا.

فيقول: «هناك، أنت، هل تسمع؟ إنني لا أخافكم، لا أرهبكم، سأتحداكم جميعا، سأنتصر عليكم جميعا.. جميعا وحدي».

وهنا البطل يصف بدقة حال هؤلاء الفلسطينيين الذين يتحملون كل شيء مُحاولين الانتصار بمفردهم، الانتصار المعنوي قبل أي شيء آخر، ليستطيعوا إكمال حياتهم في بيوتهم دون تغيير جلودهم، ودون أن يضطروا إلى المُغادرة.

***

مُؤخرا قرأت تقارير عن أن ثمة لاعب من عرب 48 يُدعى مُؤنس دبور قد ينتقل إلى فريق لاعبنا المصري محمد صلاح، وهي قد تكون مناسبة لنضع ذكر فلسطيني الداخل في مقامه الذي يستحق، ولنشير إلى صمودهم البطولي والذي لا يقل عن صمود كل من سبقوهم في مقاومة المحتلين، لكن هنا كانت المشكلة الأكبر هو أن اللاعب يلعب في المنتخب الإسرائيلي.

الأمر مُتشابك في الحقيقة، فمع تبجيلي واحترامي لعرب 48، لكني في نفس الوقت أقف ضد التطبيع بالكليِّة، مُتفهما أن هؤلاء العرب الذين يعيشون تحت الاحتلال، يلزمهم التعامل اليومي مع الجهات الحكومية الصهيونية، بل والعمل معهم أو لديهم أحيانا، وكل عملٍ ذو فائدة لهم بالضرورة، لكن كل ذلك في النهاية أمور اضطرارية، بعكس اللعب لمنتخب كرة.

لكن التجارب مريرة ومتراكبة، والمواقف والحياة في مجملها أصعب من أخذ مواقف حادة ضد أناسٍ لم نعش حياتهم، بيد أننا مُتساهلون بالقدر الذي يجعلنا نعمل في أماكن بها موظفون يعتقدون في التطبيع العربي الصهيوني –خاصة في مجالات العمل التي ليس لها علاقة بالرأي-، فهل من المنطقي أن نمارس سياسة الترهيب والمزايدات على لاعب كرة قد يزامله لاعب عربي آخر لكنه وبشكل يُخالف مبادئي يلعب لمنتخب إسرائيل؟!

أجد أن الأمور بها بعض التعالي عن الواقع، والتكبر على التجربة، وهذا قد يكون غير بعيد عن الاعتقاد الشائع والغير حقيقي أن عرب 48 هم إسرائيل ذات نفسها، وأن العلاقات معهم معيبة، وهو أمر مُخالف للواقع الذي جعلهم كما قال فيَّاض في مسرحيته «وحيدون» في مواجهة الجميع.

يبقى اللاعب دبور عربيا، حتى وإن خالفت بعض مبادئه مبادئي، واحتضان الأمة العربية لعرب 48 واجب قومي وأخلاقي.

المقال المنشور في  قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه


1
1
0
0
0
0
0