تحدثت العالمة المصرية، الدكتورة إحسان محمود حلمي، عن سيرتها ورحلة كفاحها منذ فترة الستينيات؛ وكيف حصلت على لقب أول دكتورة مصرية في الطاقة الذرية، وتكريمها من الدكتور مصطفى مُشرفة بعد عودتها للتدريس بجامعة القاهرة وعملها بمؤسسة الطاقة الذرية بأنشاص، وزيارة الرئيس جمال عبد الناصر لمعملها وتشجيعه لها، وسِر مغادرتها إلى أمريكا غاضبة من الوضع في مصر.

يناير 1962، شهد مطار القاهرة وجود عشرات الصحفيين والكاميرات للاحتفاء بعودتها من أمريكا كونها أول مصرية وعربية تحصل على الدكتوراه في الطاقة الذرية من أمريكا.

ساقطة قيد

ومع مرور أكثر من نصف قَرن، جاءت الدكتورة إحسان إلى مصر منذ 4 سنوات، ولم يُرحب بها أحد، ولم تعترف الدولة بها كمواطنة مصرية، إذ اكتشفت أنها «ساقطة قيد» في دفاتر وأوراق السجل المدني.

ونشر موقع مصراوي، حوار الإعلامي مجدي الجلاد رئيس تحرير مؤسسة أونا للصحافة والإعلام، مع العالمة المصرية الدكتورة إحسام حلمي، التي سردت خشيتها من اقتراب نهايتها إذ يبلغ عمرها نحو 95 عام، دون اعتبارها مواطنة مصرية، وناشدت الرئيس عبد الفتاح السيسي، بضرورة استخراج شهادة قيد لها.

منتصف عام 1954، اختارت جامعة القاهرة، الدكتورة إحسان حلمي، في بعثة إلى أمريكا لدراسة الطاقة الذرية بجامعة كاليفورنيا.

وحصلت قبلها على الماجستير في الذرة، وبكالريوس العلوم مع مرتبة الشرف في 1947، لم يسبقها أحد من فتيات ونساء مصر إلى تلك الخطوة قائلة: «مكنش حد متوقع إن بنت مصرية في الوقت دا تروح تدرس في أكبر جامعات العالم».

وتحكي حلمي، عن موضوع رسالتها والذي حمل عنوان «الجسيمات الذرية ذات الطاقة العالية»، وأهميتها في فهم الأسس اللي تقوم بها الطاقة الذرية الهائلة».

من أشرف على رسالتها؟

كانت الفتاة الوحيدة بين 40 طالبًا، يُشرف على رسالتها البروفيسور «ديريك براوس» خطت خطوات كبيرة في مجال رسالتها، قدمت عدة أبحاث خلال تواجدها بأمريكا، الجميع ينظر لها باهتمام كونها أول مصرية وعربية تقترب على الحصول على الدكتوراه في الطاقة الذرية.

وتلقت دعوة من الجمعية الأمريكية للطبيعيات لإلقاء محاضرة وسط 700 عالم من مُختلف دول العالم، وفق ما نشرته صحيفة الجمهورية عنها، وحين ذهبت إلى هناك وقدمت ورقة بحثية في يناير 1956 ذاع صيتها في الولايات المتحدة، احتلت صورتها الصفحات الأولى بالصُحف هناك من بينها «وست وود هيلز بريس»، وكُتب عنها «هذه الفتاة القادمة من بلاد النيل تساهم في تقدم علوم الذرة».

لم تصبر كثيرًا قبل أن تسلك طريق التدريس في كلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم تم اختيارها ضمن فريق مؤسسة الطاقة الذرية العربية بأنشاص، وخلال ذلك زارها الرئيس جمال عبد الناصر.

وقالت إن الرئيس عبد الناصر، حرص على الحديث معها قائلة: «شكرني على جهدي وإنه معجب بأدائي وخطواتي، وأخبرها أنه فخور بها، وكان كلامه دافع لها لتجتهد أكثر».

تظلم لجامعة القاهرة

تركت مصر ورجعت إلى أمريكا عندما ساءت الأمور، بترقية زميلتها وليس معها دكتوراه إلى منصب أستاذ مساعد وتفضيلها على إحسان حلمي، دون وجه حق -وفق تعبيرها.

تقدمت إحسان بالتماس إلى إدارة الجامعة، تطالبهم بإعادة الاختيار من جديد وكتبت ما قدمته منذ رجوعها من أمريكا داخل الكلية وهو عبارة عن: 16 بحثًا علميًا 11 منها في أكبر المجلات العلمية وأنشأت معمل أبحاث في الطبيعة النووية في 3 فروع مختلفة رغم الصعوبات الخاصة باستيراد الأجهزة العلمية»، ولم ينصت لها أحدًا، ورفضوا طلبها، وتم منح زميلتها الترقية، فشعرت بالظلم وأنها لن تستطيع استكمال هذا الوضع في مصر.

وقالت إنها ذهبت إلى أمريكا والتحقت بالتدريس في جامعة كاليفورنيا، عام 1970، معلقة: «مكنش فيه عدل ولا إنصاف معايا».

أعلنت العالمة المصرية أنها لم تتزوج قائلة: «متجوزتش، لأنها تجربة مش سهلة، فيه ناس كتير بتتجوز وتخلف، لكن إيه المشكلة لما حد يختار إنه يكرس حياته للعلم؟، حصلت على الجنسية الأمريكية».

وتحكي إحسان أنها عند رجوعها إلى مصر ذهبت لاستخراج شهادة ميلاد لها باعتبارها من مواليد أسيوط 1923، فكان الرد أنه لا يوجد لها بيانات، ليتم اعتبارها ساقطة قيد.

ناشدت الدكتورة إحسان الرئيس عبد الفتاح السيسي، قائلة: «بقول للرئيس من فضلك ساعدني أطلع شهادة ميلاد بتاعتي، دي بالنسبالي حاجة كبيرة، وهي أمنيتي الأخيرة في الحياة».

رد الاعتبار من الحكومة

بادر وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور خالد عبد الغفار، لاستخراج شهادة قيد وميلاد للعالمة المصرية، كرد اعتبار لها باعتبارها أحد رواد البحث العلمي في مصر.

وقال الوزير إنه انزعج بقصتها، موضحا: «قلت إزاي يكون في عالمة ذرة مصرية أفنت حياتها في العلم والبحث العلمي.. ويكون في النهاية مفيش التكريم ومفيش الواجب اللي مفروض الدولة تقوم به، حتى لو عاشت أغلبية عمرها برة لكن في النهاية هي مصرية».

وتواصل الوزير مع إدارة الجوازات والهجرة، لحل الامر مع الأحوال المدنية، لنصل أخيرا بعد البحث في عدد كبير من الأوراق لإثبات محل وتاريخ ميلاد الدكتورة إحسان، وبالفعل تم استخراج شهادة ورقية، ومن ثم إصدار شهادة ميلاد إلكترونية بها الرقم القومي.

وأعربت العالمة المصرية إحسان محمود عن شكرها للوزير لتدخله وحل هذه المشكلة، قائلة: «فخر لي أني أكون مصرية».



0
0
0
0
0
0
0