يرتبط معنى وجود رجل في حياة امرأة بالأمان.. معنى أن هناك رجلا تلجأ له هو المعادل البديهي للاطمئنان والسكينة، ذلك يساوي: أنت معي إذن أنا مطمئنة؛  ولكن هذا المعنى يختل تماما ويصبح غير مفهوم عندما تشترط أسرة الفتاة على الزوج يوم عقد القران - أو قبلها بأيام - كتابة ما يتعارف عليه بـ«قائمة المنقولات»، الغريب أحيانا أن يكون هذا طلب الفتاة نفسها.

فعلى الرغم من أن الارتباط برجل معناه أنني أطمئن معه واعتبره سندا لي في حياتي، إلا أنني أو أسرتي أو نحن سويا لا نراه أمينا على عفشي ومفروشاتي وحُلي، هذا الأجراء يُعتبر مُخل للمعنى الأساسي للزواج: السكينة.. حسب المفهوم الديني، ولمعنى: الرجل السند.. حسب المفهوم الشعبي.

«أنا أتجوزت من غير مهر ولا قايمة ولا فستان ولا نيش ولا فرح ولا سيشن تصوير»، هذا ما قالته نسرين في مناقشة على جروب بموقع فيسبوك يضم 970 ألف فتاة وسيدة.. أُثير النقاش من خلال سؤال: أي هذه الأشياء تقدري تستغني عنها في زواجك؟ وعلى الرغم من أن نسرين نجحت فيما فشل فيه أجيال، وهو الاستغناء عن مظاهر الزواج وإجراءاته وكذلك فرض رأيها ووجهة نظرها على أهلها وهو ما يعتبر من المستحيلات إلا أن هذا المستحيل تمسكت به فتاة أخرى قائلة – في نفس النقاش-: «القايمة لها لازمة ونص عشان أضمن حقي»، وقالت شيماء: «اقدر استغنى عن النيش وممكن القايمة لو واثقة إنه عارف ربنا وبيتقي ربنا غير كده مفيش حاجة استغني عنها تاني».

كثيرات أجمعن في هذا النقاش على أن النيش – وهو دولاب ذو ضلف وأرفف زجاجية يُصف عليها أطقم الصيني والكؤوس – ليس له أهمية كبيرة وتمسكت أغلبية الفتيات بفستان الفرح فهو بالنسبة لهن أيقونة الزواج المقدسة ولحظة اكتمال جمالهن لن تتكرر فلا يجب المغامرة بها واعتبارها غير مُلزمة.. فمن يجرؤ ويقول لفتاة إنها لن ترتدي فستان زفاف؟

المؤرخ الشامي خليل بن الصفدي – حسب ما جاء في كتاب «الزواج والمال والطلاق في العصور الإسلامية» للكاتب يوسف رابوبورت – حكى أنه كان متواجدا في القاهرة في عام 733 هجريا وشهد زفاف «آنوك»، الابن الأثير وولي العهد للسلطان الناصر محمد بن قلاوون، وقد اصطحبت العروس، ابنة أحد الأمراء، جهازها الذي تتطلب حمله إلى القلعة جهود 800 من الحمالين، ومئة من البغال، ووقف الصفدي لمشاهدة الموكب الكبير الذي يحمل الأصناف الأكثر نفاسة من الملبس والأثاث والحُلي، وقد أبلغ أحد الكُتاب أن الذهب وحده يزن نحو 80 قنطارًا مصريًّا، أي ما يعادل 80 ألف دينار، وتلك التقديرات رجم بالغيب على كل حال، إذ ليس بإيدينا تسجيل رسمي لقيمة جهاز العروس، وذلك لأن جهاز العروس لا يُسجل في عقد الزواج، في حين يُسجل المَهر المُقدم من الزوج إلى العروس.

وكانت هذة بداية قائمة الزواج التي كان يُسجل فيها المهر في البداية ثم توالى أضافة الخانات فيما بعد لتنتهي إلى كتابة طقم الملاعق المستوردة من الصين والخمسون جراما ذهب وطقم مناشف المطبخ.

ظهر مصطلح جهاز العروس والمهر في اتفاقات الزواج بين الطبقة العليا في المجتمع المملوكي في بدايات القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي

السؤال اللي دايما بييجي في بالي وأنا باحضرأفراح بنات كتير صديقاتي أو قرايبي سواء هنا في المدينة أو في الريف: هل تضمن كتابة هذه المنقولات سعادة واستقرار الزواج؟ هل المغالاة في الجهاز خاصة في الأسر الفقيرة التي تستدين لسنوات لتجهيز أبنائها يضمن حياة رغيدة لهم.. أكاد أقول للعروسة:" أطقم الحلل دي كلها هتطبخي فيها؟ وكل الهدوم دي هتلبسيها أمتى؟ وليه الدهب ده كله؟ تفتكري ده ضمان لك فعلا من الغدر أو العوز؟".

فعلا.. لماذا نلجأ لـ120 عباءة للعروس و4 حجرات مفروشين بالكامل و20 بطانية و8 أطقم أواني لنشعر بالأمان؟ لاحظت أن المغالاة في تجهيز بيت الزواج صار مرتبطا أكثر بالريف الفقير وذلك لأن العائلات تتباهى بذلك ويصير من العار أن تتنازل الأسرة عن بند تافه فتستدين في صورة جمعيات وقروض.. لو ابتعدنا قليلا عن الريف وأتجهنا للمدن سنجد أن جهاز العروسة به العديد من التحكمات والشروط ولكن ليس كالريف.. وتكتفي عائلات كبيرة في القاهرة بكتابة مؤخر صداق كبير بدلا عنه.

قائمة المنقولات لا تندرج في قانون الأحوال الشخصية، فبالرغم من عدم نص القانون على كتابة قائمة المنقولات، إلا أنه فى حال كتابتها، فتتساوى مع إيصال الأمانة فى مادة التجريم، وهى المادة 391 من قانون العقوبات، فتكون بمثابة أن الشخص يكتب إقرارًا بأنه تسلم هذه المنقولات ولكن على سبيل الأمانة، ويردها عينًا أو نقدًا متى طُلبت منه، لا سيما وأنه تسلمها على سبيل الأمانة "عارية الاستعمال"، وتكون عقوبة تبديد الأمانة الحبس من 24 ساعة وحتى السجن 3 سنوات، هذا كل ما يُلوح به أهل العروس للتهديد أو للتأمين أو ربما وهو الأرجح ليتحاشوا كلام الناس عن تبديد حق ابنتهم، لقد كتبنا القائمة وحق البنت محفوظ وكله تمام.

السؤال: هل حقا تضمن القائمة حق العروس؟ في أحيان كثيرة تضطر الزوجة لإبراء ذمة الزوج من حقوقها حتى تحصل على ورقة الطلاق ومنذ سنوات تم  تشريع قانون الخلع والذي بموجبه تقنن إبراء الزوج من كل ما هو مستحق عليه حالة الطلاق بما فيها قائمة المنقولات الزوجية التي كان يلوح بها أهلها لضمان حقها..

الكثير من الزيجات تنتهي قبل أن تبدأ، تنتهي يوم الزفاف، ترتدي العروس فستانها وتنتظر العريس ويوشك المأذون على إنهاء الإجراءات ويتبقى توقيع الطرفين، ثم يفاجأ العريس ببنود غير متفق عليها في القائمة فيغضب ويترك الزفاف وعروسه، في أحيان أخرى يُعقد العقد وبعدها بأيام تُطلق العروس عذراء بسبب الاختلاف على بنود القائمة المبالغ فيها.

فعلا.. لماذا نلجأ لـ120 عباءة للعروس و4 حجرات مفروشين بالكامل و20 بطانية و8 أطقم أواني لنشعر بالأمان؟

تزوجت منذ عشر سنوات، أغلب فترة خطوبتي كانت مشاجرات.. ليس مع خطيبي كما يظن البعض ولكن مع أمي، لم أكن أريد شبكة، خاصة وأن زوجي لم يكن يدخر شيئا طوال سنوات عمله، طالبت أمي أن تتنازل عن هذا البند -والذي في الأساس حقي أنا ومسامحه فيه - فأقامت أمي الدنيا ولم تقعدها وتجمع حولها الأقارب لينظروا أمر الفتاة البلهاء التي تريد التفريط في حقها، رضخ زوجي حينها لطلبهم خاصة وأن الاتفاق كان منذ البداية على شبكة.

توالت هزائمي أمام أمي في معارك النيش وعدد أطقم الكوؤس وفي معركة مفرش سرير العروس وغطاء اللحاف الساتان المعتبر الذي لولاه لما يتم الزواج ويهنأ البال وتقام الأفراح، وفي معركة تحميل العريس ثمن مشروبات ليلة الحناء التي لن يحضرها، وفي معركة إقامة فرح في قاعة.. انهزمت تماما، كنت وحيدة أمامها وأمام الأقارب والأعراف والتقاليد.. فيما بعد انتقمت، فبعد زواجي بعدة أعوام تخلصت من النيش واللحاف وانتفعت بثمن شبكتي فيما يعود على حياتنا الزوجية سويا.. أما قائمة المنقولات فهي بلا نفع حقا ولا تستوي لدي والعالم إذا انتهت المودة والسكينة لا قدر الله.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه  


0
0
0
0
0
0
0