«في عالم لا تستطيع أن تفتح فيه عينيك لترى، تصبح عصابة العين هي غاية أملك».

هذا ما عبّر عنه «Josh Malerman» مؤلف كتاب «BirdBox» في كتابه؛ فعندما تستحيل الرؤيا، وتصبح مهددِة للحياة، لا يسع الإنسان إلا أن يتعلم العيش معميا معصوب العين من أجل البقاء والاستمرار.. بل وأن يتعلم تجاهل إنسانيته ومشاعره، حتى أكثرها غريزية، مدركا خطورة الادراك والوعي بهما، بما قد يهدد حياته.

فشل فيلم «BirdBox» المقتبس من الكتاب السابق ذكره والذي أنتجته شبكة «Netflix» في نقل هذا المعنى وتوصيل تلك الرسالة المهمة.

فبالرغم من ضخامة الإنتاج والاستعانة بنجوم كبار ذوي موهبة وجماهيرية واسعة مثل ساندرا بولوك، وجون مالكوفيتش، إلا أنه ضاع المعنى وغاب المضمون وسط إنتاج أصر على إرضاء جمهوره الأساسي، الذي يتراوح عمره ما بين الـ18 والـ29 عاما، بتقديم فيلم إثارة وتشويق في المقام الأول؛ لنجد أنفسنا مرة أخرى نواجه حقيقة سيطرة السوق وفرض اعتبارات نسب المشاهدة على السينما والدراما بشكل كبير.

يبدأ الفيلم بداية غامضة عن بطلة الفيلم «Malorie»، معصوبة العين ويبدو عليها مظاهر معاناة ما بعد النجاة من كارثة.. يشاركها الحدث طفلين بلا أسماء؛ ولد وبنت تتعامل معهما بحدة وحسم، لتبدأ رحلة تبدو صعبة وقاسية.

يعود بنا الفيلم لبداية الأحداث، في تسلسل سريع وإيقاع خاطف لبداية الكارثة، إذ ينهار العالم وتعمه الفوضى حين يهجم عليه كائنات مجهولة تجعل من الرؤية ابتلاء تدمر صاحبها ذاتيا بموت محقق وسريع.

نتعرف على مجموعة من الناجين المحتمين ببيت أحدهم، حريصون على من يأوونه وسطهم ويتخذون كافة الاحتياطات، حتى المسلحة منها، لكي ينجو بأنفسهم مما هو في الخارج، ليكسر بذلك الفيلم تيمة أفلام الرعب المعتادة، حيث عادة يكون البيت المسكون مصدر الخطر وفكرة الهروب منه تحقق النجاة، ليعكس الوضع ويقدمه كملاذ وملجأ مما هو خارجه، معتبرا الخروج منه "مغامرة انتحارية".

بالرغم من ضخامة الإنتاج والاستعانة بنجوم كبار ذوي موهبة وجماهيرية واسعة مثل ساندرا بولوك، وجون مالكوفيتش، إلا أنه ضاع المعنى وغاب المضمون وسط إنتاج أصر على إرضاء جمهوره الأساسي، الذي يتراوح عمره ما بين الـ18 والـ29 عاما، بتقديم فيلم إثارة وتشويق في المقام الأول

لا يستطيع مقاومة هذا الهجوم المجهول والمخلوقات الغامضة سوى المجانين أصحاب الضلالات والهلاوس، أصحاب الوعي الميت والمشاعر الملتبسة، بقدرتهم الخاصة في التحايل على الواقع وضبابية الرؤية.

«كيف يمكن أن تحب شخصا قبل أن تراه»

«كيف يمكن أن تدع أطفالها يحلمون أحلاما كبيرة كالنجوم، إذا كان ليس باستطاعتهم رفع رأسهم والتحديق بها؟».

هكذا وصف جوش ماليرمان شخصيته الرئيسية Malorie التي تقدمها «ساندرا بولوك» وصراعها الأساسي.

 

 

أفلام الأكشن ليست غريبة على ساندرا بولوك، فبدايتها كانت من خلال فيلم الأكشن الشهير «Speed» والذي كان سببا رئيسيا في شهرتها وتقديمها للعالم كمحبوبة الجمهور على الشاشة.

وعبر مسيرتها الفنية، قدمت «ساندرا» العديد من الأفلام الخفيفة المسلية محققة إيرادات ضخمة، ما وضعها في مصاف النجوم الأولى كصاحبة أعلى أجر في هوليود لسنوات، حتى استطاعت اقتناص جائزة الأوسكار عن فيلم «The Blind Side» لتجبر صناع السينما على الاعتراف بها كممثلة موهوبة قادرة على تقديم الأدوار المركبة الصعبة.

قدمت «ساندرا» في «BirdBox» أداءً خاصا وجسدت مراحل تطور الشخصية بحساسية؛ فهي الرسامة الموهوبة التي تستطيع تجسيد تعابير الوحدة على ملامح أشخاصها بإتقان.. ترفض التعامل بأي شكل عاطفي تجاه طفلها القادم. تقاوم الغريزة وتستغل هذه القدرة لاحقا في الصراع من أجل الحياة. ثم نشاهدها هي أيضا تقاوم الأمل وتحبطه، لما قد يسببه من تهديد لها ولأطفالها.. وأخيرا نتابع معها رحلة المغامرة الطويلة، في ظروف مستحيلة، ومشاعر متضاربة، لتدرك خلال الرحلة أن البقاء على قيد الحياة، معصوبة العين، ليس بالحياة.

شاركها في تلك الرحلة ثلاثة طيور حبيسي صندوق ورقي، استطاعت الإبقاء عليها وحرصت على اصطحابها نحو وجهتا المحتملة الأخيرة.. طيور تمثل وجودها ذلك الصوت الخفي الخافت داخل كل إنسان، صوت يحثه على الأمل وعدم الاستسلام.. طيور يُعتبر صوتها في عنان السماء إشارة لنهاية الرحلة والمحنة والمعاناة.

 

يتنقل الفيلم مابين زمانين مختلفين، مفسدا بذلك من وجهة نظري عنصر المفاجأة في توقع مصير باقي مجموعة الأبطال.

تجاهل الفيلم إلى حد كبير الرموز وما بين السطور، ليقدم بشكل سطحي سيناريو ضعيف يمتلئ اقتباسات محشورة وشخصيات تفتقد العمق والطبقات، ليركز كاتبه «Eric Heisserer» على شكله التجاري وعينه على نسب المشاهدة، معتمدا بشكل أساسي على جاذبية وشخصية بطلته المحبوبة.

نجحت مخرجة الفيلم متعددة المواهب «Susanne Bier» في تقديم قيلم سريع ومشوق، ساعدها على هذا خبراتها السابقة كمنتجة وكاتبة ومخرجة مسلسلات ناجحة، فاستطاعت تقديم فيلم يليق بمستوى بطلته في تحقيق عدد مشاهدات ضخم خلال وقت قياسي، بالرغم من خلو الفيلم من أي كادرات مميزة أو لوحات سينمائية استثنائية، ما عدا بعض المشاهد التي تخدم عنصر جو الرهبة والإثارة، بالإضافة لمشاهد النهر التي نجحت أن تعطي الإحساس المفزع بالضياع.

قدمت «ساندرا بولوك» أقوى مشاهدها خلال الفيلم في القارب الصغير، حين كانت مضطرة أن تضحي بأحد الطفلين من أجل بقائها هي والآخر، في مشهد تتصارع فيه الغريزتان بتعادل، غريزة الأمومة وغريزة البقاء.

تجاهل الفيلم إلى حد كبير الرموز وما بين السطور، ليقدم بشكل سطحي سيناريو ضعيف يمتلئ اقتباسات محشورة  وشخصيات تفتقد العمق والطبقات، ليركز كاتبه «Eric Heisserer» على شكله التجاري وعينه على نسب المشاهدة

تأتي نهاية الفيلم متوقعة إلى حد كبير، حيث ينتصر الإيمان بالأمل داخل البطلة وتبدأ في مواجهة نفسها ومشاعرها وتتوحد مع من شجعها على ذلك منذ البداية.

هذا وعلى الرغم مما يقدمه الفيلم من تصور واضح ومؤلم لما تكون عليه الحياة في ظلام وعمى اختياري، تزامن مع عرض الفيلم ظهور ما يسمى بـ«تحدي عصابة العين»، بين طائفة الشباب والمراهقين، حيث بدأ كثيرون في الخروج من المنزل معصوبي العين كـ«لعبة وتحدي ساخر»، طامحين في تحقيق أكبر قدر من النقاط في المنافسة بإبقاء عصابة العين أكبر وقت ممكن وفي أكثر من مكان، ما عرض البعض منهم وغيرهم للخطر الحقيقي.

استدعى هذا أن تناشد شبكة «Netflix» مشاهديها على التوقف فورا عن ممارسة هذا التحدي السخيف؛ ورغم غرابة الموقف، ساهمت هذه اللعبة الجنونية وبشكل غير مباشر في زيادة الإقبال على الفيلم والسعي لمشاهدته.

نعم، هذا ما نعيشه الآن، أصبح عالم الدراما، خصوصا تلك التي نتلاقاها بشكل أحادي بحت، عبر شاشاتنا المحمولة الخاصة، تسطيح كل شيء، حتى الكتب ذات القيمة، والتعامل معه بشكل تجاري بحت، يخدم المعلنين والرعاة، بل وتحويله إلى لعبة جماهيرية ساذجة، تحقق الهدف من أرقام المشاهدة، تخدم الصناعة وتدر الأموال.

في واقع الدراما على الـ«social media»، الفيلم أو المسلسل يخدم تسويقه العديد من الظروف الجنونية المحيطة به، يقوم بها صناعه، مثل خلق قصص حب مزيفة بين أبطاله، يعيشها المشاهدون – خصوصا المراهقين منهم - لفترة ثم تُنسى أو تتلاشى, أو الترويج لشائعات عن مشاكل بين فريق العمل أوصراع، وأخيرا ابتداع ألعاب انتحارية خطرة تروع الأباء وتودي بضحايا.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه  


0
0
0
0
0
0
0