شوارع القاهرة تبدو هادئة تماما إلا من مظاهرها المعتادة، الطلاب في الجامعات يتجاورون على سلالم كلياتهم، أو في كافتريات كلاسيكية تناسب فترة الستينيات، مقاعدها من جريد النخل، التاريخ 18 يناير عام 1977، الرئيس أنور السادات يجلس في إحدى قاعات استراحته في أسوان، ويستعد لاستقبال رئيس يوغسلافيا جوزيف تيتو، لكن نقاشات صاخبة بدأت تنتشر في الشوارع منذرة بما سيحدث خلال ساعات.

في محيط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كان مجموعة من الطلاب اليساريين لاسيما أصحاب الخلفيات الماركسية، وقلة من الناصريين يناقشون ما أعلنته الحكومة بالأمس على لسان وزير التخطيط، الدكتور عبد المنعم القيسوني، باتخاذ إجراءات من شأنها رفع أسعار السلع الرئيسية وتقليل الدعم عن بعض السلع، ورفعه عن أخرى.

في ظهيرة يوم 18 يناير 77 تبدل الحال في القاهرة والمحافظات، لم تعد شوارعها هادئة كما كانت في الساعات الماضية، الهتافات التي تنتقد الرئيس وحكومته والبرلمان تهز الأركان، حالات شغب، وسرقات تحدث في بعض الشوارع، لكن بين صخب الأحداث وسرعتها، كان للطلاب نصيب كبير فيما حدث في ذلك اليوم.

إكرام يوسف.. أصغر طالبة في السجن

الكاتبة الصحفية إكرام يوسف، كانت واحدة من الطلاب الذين شاركوا فيما سماه الرئيس السادات «انتفاضة الحرامية» وسماها الجماهير «انتفاضة الخبز» حيث كانت وقتها طالبة بالفرقة الثالثة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كانت واحدة ممن جلسوا للتفكير فيما سيفعله الطلاب للرد على هذه الإجراءات.

إكرام تقول لـ«شبابيك» «إن الأمر لم يكن محسوم وقتها، هل يدعوا لمظاهرة، او يخرجوا هم بمظاهرة خارج أسوار الجامعة، أم يقتصر الأمر على بيان رافض للقرارات، وبعضنا اقترح عمل مجلة حائط، لكن الشارع قال كلمته.

فوجئت الطالبة إكرام وزملائها بهتافاتهم التي كانوا يرددونها في وقفاتهم الاحتجاجية ومسيراتهم التي شهدتها شوارع وسط البلد، وأمام مجلس الشعب، تقال في الشوارع، عبارات رفض التبعية لأمريكا وسياسات الانفتاح التي حولت الناس للفقر.

تقول إكرام: «على الفور التحمنا بمسيرات مرت من أمام الجامعة وانطلقت باتجاه ميدان التحرير، لنفاجأ بالمشهد ملايين البشر موجودة بالميدان، حتى أنهم يفوقون الذين تجمعوا في الميدان نفسه في 25 يناير 2011 عشرات المرات.

بعدها قررت إكرام يوسف العودة لبيتها في حدائق القبة، لكنها لم تجد مواصلات، «وصلت للبيت وسط الزحام بإعجوبة.. ما كانش فيه مكان لقدم!! ما كنتش بامشي، كنت باتزق مع تدافع الناس، وصلت بيتنا في حدائق القبة من التحرير، حوالي تسعة مساء كنت بجري مع سيل الناس فجأة لقيت نفسي ببعد عن البيت بشكل اضطراري».

في الساعة الثالثة فجرا يوم الأربعاء ١٩ يناير ١٩٧٧، حدث للطالبة إكرام مالم تتوقعه، حيث حضرت قوة شرطية للمنزل للقبض عليها، تقول: «في البداية ظن الضابط أن إكرام هو اسم أبي لذا اتجه لغرفته يفتش فيها ولأنها كانت تحتوي على عشرات الكتب أخذ وقت في فحصها، وهو ما مكنها من إخفاء الكتب الممنوعة التي كانت معها مثل كتاب «الصراع الطبقي في مصر، تأليف محمود حسين».

وتشير الكاتبة إلى أنها كانت أصغر فتاة ألقي القبض عليها في هذه الأحداث، وانقسمت القضية لقسمين الأول الشباب وصغار السن اتهموا بتكوين تنظيم يهدف لإسقاط نظام الحكم، والباقين من رموز القوى السياسية اتهموا بالتحريض على الشغب.

كانت إكرام يوسف رقم 35 في تعداد المتهمين بقلب نظام الحكم، ووقتها أجرت الحكومة استفتاء جديد على الدستور ونصت في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الثاني للتشريع، واعتبر الخمسين متهم الأوائل مخربين وكان المخطط أن ينفذ فيهم حكم الشريعة الإسلامية، أي الإعدام. هكذا تقول إكرام.

قضت إكرام ستة أشهر في الحبس من يناير حتى أبريل كانت محبوسة احتياطيا، ثم تحولت للمحاكم، وخرجت بعد 6 أشهر هي وكل زملائها الشباب والطلاب لعدم وجود أدلة.

طارق نجيدة يشارك في احتجاجات عين شمس

لم يقف الأمر عند طلاب سياسية واقتصاد جامعة القاهرة، فكان طلاب جامعة عين شمس في نفس اليوم يرتبون لعمل معرض صور للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بمناسبة ذكرى ميلاده، وكان سيقام في كلية الحقوق.

ووقتها كان المحامي الناصري طارق نجيده يخطو نحو عامه الثامن عشر، حيث يقول إن القرارات الاقتصادية تسببت في غضب كبير وقتها بين الطلاب حتى أن طلاب الحقوق قرروا التحرك نحو كلية الهندسة بعبده باشا بالعباسية للانضمام إلى مؤتمر حاشد هناك يعقبه الخروج بمظاهرة تتحدد وجهتها في المؤتمر.

ويضيف لـ«شبابيك» «وصلنا المؤتمر ولم يكتمل لورود أخبار بأن الشارع يتحرك وأن العمال في حلوان قرروا الخروج نحو مجلس الشعب، كما أن طلاب جامعة القاهرة سيتحركون، وأن جامعات المنصورة والزقازيق تحركوا، فخرج المؤتمر بالمسيرة والتحمت الجماهير الغفيرة في العباسية بالطلبة نحو مجلس».

كانت الهتافات وقتها تنتقد مجلس الشعب بشكل مباشر، برئاسة سيد مرعي، فكانت التظاهرات تهتف «سيد بيه يا سيدبيه كيلو اللحمة بقي بجنيه، عايزين حكومة حرة العيشة بقت مرة» يقول نجيدة.

ويكمل: «وصلنا لميدان التحرير، ووصلت المظاهرات إلى القصر العيني وبدأت المواجهات مع الأمن المركزي الذي فشل تماما في مواجهة الشعب، حتى استعدت الحكومة الجيش في اليوم التالي وتم فرض حظر تجوال مع الرابعة عصرا وإلغاء القرارات الاقتصادية».

نجيدة يقول: «لم تكن أول مظاهرة أسير فيها مع طلاب جامعة عين شمس فقد اشتركت بالصدفة في مظاهرات 72 الصاخبة عند عودتي من مدرستي النقراشي الاعدادية حيث يتقاطع الطريق مع مسار مظاهرات جامعة عين شمس وكان أهم ما يلفت انتباهي الشعارات المطالبة بالثأر والتحرير».

المحامي أمير سالم يحكي عن مشاركته أيضا

المحامي اليساري أمير سالم هو الآخر يحكي عن ذكرياته، التي كانت في الطرف الآخر من القاهرة، وتحديدا في منطقة العجوزة، حيث كان يسكن وقتها.

سالم يقول لـ«شبابيك» «كنت في منزلي مريض حيث أعاني من مرض كلوي، وسمعت ضجة في الشارع فنزلت مسرعا للاشتراك، ومشيت مع المظاهرة من فوق كوبري الجلاء مرورا بقصر النيل حتى وصلنا لميدان التحرير».

ويضيف أبرز ما يميز هذه التظاهرات أنها لم يكن لها محرك، وكانت صادمة للجميع حتى النظام السياسي وقتها، وكانت التحركات عفوية وسريعة بشكل كبير.

ويصف سالم المشهد في ميدان التحرير وقتها بأنه تجاوز التفكير، مشيرا إلى أنه بعدما علم بالقبض على بعض زملائه لجأ للاختباء في مكان ما، ولما اشتدت عليه آلام المرض، أجبرته أسرته على الذهاب للمستشفى.



0
0
1
0
0
0
0