الاقتراب من الأفكار الدينية دائما محفوف بالمخاطر، قاعدة عريضة يؤمن بها كثير من صناع السينما، وكتاب السيناريو، لذا تخلوا في غالبية أعمالهم السينمائية والدرامية من نقد الأفكار المقدسة، بعضهم يحاول تقديم رؤيته بشكل ساخر أو هزلي، وآخرين يقررون التعرض المباشر للفكرة الدينية سواء بالنقد الإيجابي أو التحليلي، أو حتى بيان الجوانب النفسية التي تقود بعض الناس لاعتناق فكرة دينية بعينها، أو الانصراف عنها.

تكرار مناقشة الأفكار الدينية على الشاشات يطرح عدة أسئلة، أولها هل تستطيع السينما تغيير الأفكار الدينية الخاطئة، وتساهم في تدعيم مبادئ المواطنة، أم أنها مجرد وسيلة ترفيه وقتية، لا تستطيع الصمود أمام الأفكار الدينية المقدسة؟

اقرأ المزيد

أفلام الرعب تقلل الوزن وتحارب الضغط العصبي.. شاهد هذه الأعمال المخيفة

مجموعة من أفضل أفلام الرعب في تاريخ السينما ترشحها لك مجلة «paste» الأمريكية الشهيرة

آخر الأفلام التي ناقشت الأفكار الدينية كان ما قدمه الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، في فيلمه الضيف، بطولة خالد الصاوي، وشرين رضا، والذي يحاول من خلاله تمرير أفكاره في نقد بعض المعتقدات الدينية، وتقريب أصحاب الأفكار المتضادة من بعضهم البعض، ليحدث في النهاية التوافق المجتمعي، لكن موجة النقد التي واجهت الفيلم كانت عالية.

بعض التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي تحدثت عن أبرز ما يقدمه الفيلم، من أنه يعادى فكرة الحجاب الإسلامي ويحاول أن يقول للناس إن الحجاب مجرد عادة، وليس من صميم الشريعة، وهو ما رفضه الداعية الإسلامي خالد الجندي في تعليقه على الفيلم.

الجندي قال في مداخلة تلفزيونية مع برنامج «القاهرة اليوم» الذي يقدمه الإعلامي جمال عنايت، إن الفيلم يحاول الترويج لأفكار خاطئة عن الإسلام وأنه يتفق مع الإرهابين في كونه يرفض فتاوي الأزهر.

 لم يكن فيلم الضيف هو الأول لإبراهيم عيسى فحاول من قبل مناقشة نفس الفكرة، من خلال فيلم مولانا الذي قدمه الفنان عمرو سعد قبل عامين، ليضاف الفلمين إلى أعمال أخرى حاولت تشريح نفس الأفكار بصور مختلفة، كما هو الحال في عمارة يعقوبيان، والإرهابي، وغيرهما.

تأثير قوي

في تعليقه على سؤلنا حول تأثير السينما على الأفكار الدينية، يقول وزير الثقافة الأسبق، الدكتور جابر عصفور، إن السينما لها تأثير واسع على المتلقين، وهي أشبه بالتلفزيون في ذلك، ربما أكثر بكثير من الكتب، لأنها تعتمد على ميرات أقوى من النص المكتوب، مثل الصوت والحركة، والموسيقى وغيرها.

في حديثه لـ«شبابيك» يرى وزير الثقافة الأسبق أن السينما والتلفزيون مصدر رئيسي في تشكيل وعي غير المتعلمين لذا فهي تؤثر عليهم بشكل مباشر.

تغيير تدريجي

وردا على فكرة تقديس الأفكار الدينية، يقول عصفور إن الصورة التي تنتقد السلوك المقدس ربما لا تغيره بشكل عاجل لكن تدريجيا تستطيع طرح الأسئلة في عقل المتلقي، فيبدأ في البحث عن إجابات، ومن خلال هذه الطريقة يمكن خلخلة الفكرة الدينية الخاطئة.

الضيف اقتباس من فيلم أمريكي

ويضيف أن فيلم الضيف هو عبارة عن تعريض سينمائي أو موازاة فنية للفيلم الأمريكي «Guess Who's Coming to Dinner» الذي حاول صناعه أيضا القضاء على فكرة التميز العنصري في أمريكا من خلال دعوة الابنة لصديقها الأسود التي ترغب الزواج منه ليجلس مع عائلتها، لكي يغيروا أفكارهم عنه بعد الجلوس معه.

السينما تؤثر على المؤدلجين؟

عطفا على حديث الدكتور جابر عصفور، يتفق معه أستاذ علم الاجتماعي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة الدكتور، سعيد صادق، في أن السينما تساهم بشكل فعال في تغيير ونقد الأفكار، لكنه يختلف في كونها تؤثر على المؤدلجين، أو معتنقي فكرة ما كالمتطرفين مثلا.

صادق يقول إن الأعمال السينمائية عادة ما تخاطب طبقة معينة، فرواد السينما عادة من الطبقة المتوسطة، أو الأغنياء، وهم بالطبع نالوا حظا وافر من التعليم، وبالتالي من السهل مخاطبة عقولهم.

غير مجدية مع المؤدلجين

الأعمال السينمائية ربما تكون غير مجدية من وجهة نظر صادق، مع المنضمين لتنظيمات دينية، والذين عادة ما يرى بعضهم في السينما عملا مخالف لمعتقدهم، فلا يشاهدون السينما أصلا، وبالتالي فالمقصود من هذه الأعمال هم الأناس غير المؤدلجين، أو المحايدين، أو الجهلاء بهذه المعتقدات.

ويشير إلى أن سلاح الميديا عموما مهم جدا في المجتمعات التي تزيد فيها الأمية، بحيث لا تجد قراء كثيرون حاليا وبالتالي يجب على من يريدون تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة الاتجاه لوسائل الإعلام.

وسائل أفضل

صادق يقول إن الوسائل الأفضل لفرض فكرة معينة على المجتمع هي الوسائل الرقمية الجديدة، كاليوتيوب والسوشيال ميديا بأنواعها، والدراما التلفزيونية، لأنها متاحة للجميع.

ويمضي أستاذ الاجتماع قائلا: إن الشخص المنتمي لفكرة دينية في الأصل لديه أساليب دفاعية في رأسه فلن تغيير مثل هذه الأفكار معتقداته.

مجهود مضاعف

ويتفق استشاري الطب النفسي، جمال فرويز، في أن السينما تساهم بشكل كبير في تشكيل وعي الناس، وأن الأعمال التي تنتقد أفكارا دينية خاطئة قد تتغير، لكن الأمر يحتاج لمجهود مضاعف، وتضافر كل الجهات، بحيث لا يكون الأمر مقتصر على مجرد فيلم سينمائي، ولكن يمتد لحملة تثقفية شاملة.

ويشير الطبيب النفسي إلى أن مدى تأثير الناس بالسينما يختلف من شخصية لأخرى فالجتمع المتلقي متنوع ومفتوح، وهناك من يقتنع بالفكرة ويحاول تغير أفكاره، وآخرين تقل درجات استيعابهم للرسالة الموجه.



0
0
0
0
0
0
0