يلتف البرد على أجسادنا، يمتص الدفء، تتجمد الأطراف، نختبئ وسط العديد من الأقمشة بمسميات عِدة، ويبحث كل منا عن حضن يُدفئه.. نعم أنه الحضن أكثر فعل حسي يُشع دفء ومودة، أياً كان شريك الحُضن فإنه إشارة لمساحة شديدة الخصوصية. الحضن أو العناق عنوان للمحبة والسند والحميمية والرومانسية، بتغير الشريك يتغير الهدف لكنه يظل هو الفعل الحسي الأول الذي نتعرف إليه صغارًا.

الخجل/الخوف/الحياء

كبرنا ولم نعد نُعانق أو نسمح بالحُضن، أو تبادل القبلات، حيث تمتلك النساء في كافة مراحلها العمرية عشرات الممنوعات والتحذيرات من أفعال حميمية، وبرغم كل التقدم والوعي فإن الكثير من الأمهات مازالت تربي داخل بناتهن تلك المحاذير والمخاوف دون لفت الانتباه إلى وجود استثناءات، دون أن تُفكر الأم في تبعات غرس المخاوف تحت مسمى الخجل بداخل ابنتها.

نحن النسوة نتربى بميراث كبير من الخوف والخجل، ودعونا نُفرق كثيرًا بين الخوف والحياء؛ فالخوف الذي يأخذ في مظهره سمة الحياء معطل، ومكئب.. الخوف يمنعنا من الحياة والفرحة، ولأننا نسير في الحياة مكبلين بضغوط ومهمات لا نقف لنتعرف على الفارق، وما أكثر ما نُبتلى به بسبب هذا الخوف.

تتعامل النساء أن كل الخبرة المكتسبة خبرة خفية، لا ينبغي اطلاع الرجل عليها حيث تنتقص من حيائها، ومن تقييمها الأخلاقي، كما يتعامل الرجل أنه ينبغي أن تكون زوجته أو شريكته صفحة بيضاء، بلا خبرة، وأن خبرتها أيا كانت هي عيوب من وجهة نظره.

نتربى في مجتمعاتنا الشرقية أنه لا وجود للآخر، أننا ملائكة وكل أفعالنا تقييمها الأخلاقي ممتاز، لا أخطاء، لا نقائص، ولن نقبل في الآخر وجود ذلك، وإذا قبلنا شخصا وبه عيب فهو من قبيل كرم الأخلاق.

إننا نتطور في المعرفة، التعليم، العمل، الملابس، وتقف عقولنا عند حقبة قديمة جدًا.. نحن لا نقبل الآخر، ولا نقبل اختلافه، فكيف للرجل أن يقبل أن تكون زوجته مختلفة ولها رأي خاصة في الجنس؟؟

«كنتِ سبيه يمسكها»

يُعتبر المشهد الذي يجمع بين الفنان فؤاد المهندس والفنانة سناء يونس من مسرحية «سك على بناتك»، حين تُفاجئ فوزية أبيها بأن خطيبها لم يمسك يدها طول فترة الخطوبة، أكثر المشاهد الكوميدية الخاصة بالعلاقة الحسية بين المرتبطين وعلى الرغم من كونه مسببا للضحك لكنه كاشف عن أزمة كبيرة.. أزمة في التربية وفى السلوك وفي خلط المفاهيم، فالفتاة التي ترى أن لمس اليد هو فعل مضاد لحيائها، هي ترى ذلك حياء، بينما هو نتاج العديد من المخاوف والمفاهيم التي تكرست في المجتمع، عل أولها أن الرجل الذي يلمس امرأة لا يتزوجها.

لن نتحدث في العلاقات التي تضم جانب حسي، لكننا سنتحدث عن الزواج، نعم الزواج!

مشروع الرجل والمرأة للبقاء

نتربى في مجتمعاتنا الشرقية أنه لا وجود للآخر، أننا ملائكة وكل أفعالنا تقييمها الأخلاقي ممتاز، لا أخطاء، لا نقائص، ولن نقبل في الآخر وجود ذلك، وإذا قبلنا شخصا وبه عيب فهو من قبيل كرم الأخلاق.

كثيرات بل غالبية الفتيات هدفهن الأسمى هو تكوين أسرة وإنجاب أطفال، كذلك الرجل، فالفتاة تكبر وهي تعي في عميق وجدانها أن عليها أن تجتذب رجلًا لتكمل معه حياتها، الأمر يصل إلى حد اعتبار الأنثى التي لم تتزوج «شخص منقوص»، ليست الأنثى وحدها من تستهدف الزواج، أيضا الرجل، فهو بمجرد أن ينتهي من دراسته يشرع في العمل والإدخار حتى وإن لم يجد شريكة الحياة.

فالآباء والأمهات يكرسن كل دعواتهم ودعواتهن في هذا الصدد «ربنا يرزقك بابن الحلال وربنا يرزقك ببنت الحلال» دون أن يقوم الأهل بدورهم في التربية السليمة حتى نضمن لأبنائنا حياة زوجية طويلة الأمد.

نحن لا نربي أولادنا على قبول الاختلاف، فهي سودا، وشعرها كدش.. هو تخين، هو مبيعرفش يتكلم، هو بلطجي، هي صايعة، وكثير من الصفات التي تقوم بعملية فرز ظاهري وتقييم، ومحاولات دفع أبنائنا حتى لا يعرفوا آخرين يختلفون عنهم.

بل أننا وللدقة، الغالبية من الآباء والأمهات لا تسمح بحرية الرأي داخل المنزل، نهتم بمدارس وجامعات متميزة، بملابس أنيقة، بمستوى معيشي ظاهره الترقي الاجتماعي، لكن نظل بكل ميراث التخلف والتقييد، ثم نحزن ونمصمص الشفاه حينما نسمع أو نرى شابين في بداية حياتهما الزوجية وقد وصلا للطلاق، بل إن الكثيرين يغالون في الشقاق والعناد وكأنه عقاب لا بد من إيقاعه بالطرف الآخر لأنه قرر أن ينهي العلاقة الزوجية.

لم يعد الزواج مشروع للبقاء، بل مشروع لاهدار الطاقة، وإنجاب أطفال يقوم أهلهم بتشويههم نفسيًا.

والسؤال المهم جدًا إذا كان كل من المرأة والرجل يستهدف الزواج، فلماذا خرجت علينا جهات ترصد مليون حالة طلاق خلال العام 2018؟

للطلاق أسباب عِدة لكن هل فكر أحد أن وراء كثير من هذه الحالات عدم توافق في العلاقة الحميمة؟

لا يجرؤ أحد على الحديث عن الجنس داخل الزواج!

فلس من المعقول أن رجلًا تربى على عدم قبول الآخر وأن المرأة أقل منه أن يقبل أن تقيمه أو تتحدث زوجته عن علاقتهما الجنسية لوجود مشاكل، كما أن المرأة التي تربت من طفولتها على الخوف والكذب لن تتغير بعد عشرين عامًا لتقول الصدق وتُعبر عن رأيها.

نهتم بمدارس وجامعات متميزة، بملابس أنيقة، بمستوى معيشي ظاهره الترقي الاجتماعي، لكن نظل بكل ميراث التخلف والتقييد، ثم نحزن ونمصمص الشفاه حينما نسمع أو نرى شابين في بداية حياتهما الزوجية وقد وصلا للطلاق

منذ بضعة أيام كنت أجلس في أحد الكافيهات ويجلس في الطاولة المجاورة لي شاب وفتاة، يبدو أنهما في علاقة عاطفية، اتصلت الأم بابنتها، وكان صوت الابنة عال بما جعلني أسمع المكالمة ويسمعها كثيرون غيري.. قالت البنت لأمها أنها مع صديقتها في مصر الجديدة (الكافيه على كورنيش المعادي)، وأنها ستعود إلى البيت في العاشرة.

بعد أن أنهت المكالمة مع أمها اتصلت بصديقتها وطلبت منها أن تقول لأمها أنهما سويا وسيتأخران واستخدمت الفتاة تقنية «Conference call» وتحدثت إلى أمها وجعلت صديقتها تتحدث إلى الأم.

الحيل لن تنتهي ولن تنفد؛ الأم سمعت صديقة ابنتها، ولم يخطر ببالها أن ابنتها ليست في مكان على الطرف الآخر من المدينة، والشاب الجالس حين يتم علاقته بالفتاة ويتزوجان سيظل مختزن كذبها ليعاقبها عليه عند ورود موقف مشابه.

نحن الأهل لا نتعلم من أخطائنا!

لو أن هذه الفتاة ومثيلاتها تربت على الصراحة وحرية الرأي، كانت ستتحدث إلى أمها بوضوح، كانت سترتبط بزميلها في ظل مساحة آمنة، وبمعرفة العائلة وحين يتزوجان ستكون لدى كل منهما مساحة حقيقة للبوح، لكننا مجتمع يعشق التواطئ، ويبالغ في غرس الخوف في نفوس النساء على الخصوص، مطلقين عليه مسمى الخجل والحياء، دون النظر إلى أن الخوف آفة تبتلع الحياة.

عزيزي الرجل

هل تشارك في بعض مواقع التواصل باستخدام بعض من الـGif الرومانسية منها؟ هل تنوعت أشكال القبلات والعناق؟ هل شاهدت كل ذلك، هل أخذك الفضول صوب المواقع الاباحية؟ بالتأكيد الإجابة «نعم» حتى وإن لم تقلها صراحة.

لماذا يختزن الرجل الخبرة ويتخيل أن المرأة لم تصل لمثل مصادره؟

هل جربت أن تُشارك زوجتك خبرتك بهدوء؟ أن تكسر حاجز الخوف والخجل وتتناقشا في الأمر؟ هل جربت أن تطمئن إلى سعادتها في العلاقة ورضاها؟

ربما بعض الرجال يفعلون ذلك، لكن الزوجة تتدعي عكس ما تشعر، ذلك أنها تربت على إخفاء مشاعرها، وعدم البوح، فهل شعر الزوج بذلك وحاول طمأنتها؟ وهل ساعدت المرأة زوجها ببعض الثقة في وعيه؟

من الصعب أن نخرج باحصائيات عن هذا الأمر حيث تعده الغالبية أمرا خاصا لا يجب مناقشته من قبيل البحث والدراسة، ومن ثم لا يناقشه أحد، حتى تلك المناقشات في جلسات النميمة سواء الذكورية أو النسائية هي من قبيل التفاخر أو السخرية وليس من قبيل الاكتشاف والوصول إلى مساحات من التوافق.

نسبة لا بأس بها من الرجال يجدون في سؤال زوجاتهم عن رضاهم أثناء العلاقة أمر غير مهم، فهي لا بد أن تكون راضية ولما لا وهو رجلها، وكأن حالة الرضا والسعادة هي معطى سلفًا، لا يجوز لها أن لا ترضى أو لا تصل إلى السعادة، ومن المزعج والمحزن أن كثير من الرجال أيضًا لا يسمحون بمناقشة الأمر مع شريكاتهم، ويُصبح على الشريكة/الزوجة أن تؤدي دور السعيدة سواء كان ذلك عن حقيقة أو كذب، وعليها أن تحتفظ بخيباتها بداخلها وتستكمل ضغوط الحياة.

فلماذا عندما تصرخ من تصرفات بسيطة يقوم بها الرجل نلومها؟

إن حديث النساء وشكواهن من أمور بسيطة لا تمثل قيمة صالحة أمام كثيرين لتكون أسباب خلاف، ليست إلا واجهات مقبولة اجتماعيًا حتى تمرر حالة الضيق والاحباط التي تنتابها من زوجها/شريكها.

عزيزتي المرأة

وأنت تبنين تصوراتك الرومانتيكية عن العلاقة مع الحبيب/الزوج، وأنت تستجمعين خبرات مكتسبة من صديقات سبقنك إلى الزواج، أو خبرات جمعتيها من الانترنت هل جربتي أن تُشاركي زوجك في هذه الخبرات؟

تنتظر النساء من أزواجهن أن يؤدين ما تحلم به كل امرأة دون أن تشاركه الحلم، أو تطلب صراحة، فهي ترغب في عناق رومانسي كما جاء في أحد الأفلام، أو أحد مقاطع الفيديو، تُفكر في قبلة ذات طراز مختلف، لكنها تخاف/تخجل أن تطلب ذلك من زوجها، مدعومة في خوفها بميراث من الإدانة فكل امرأة تملك مثل هذه الخبرة لا بد أنها جمعتها من خبرة شخصية، وبالتالي فإنها قد فعلت ذلك مع رجل غير زوجها.

ورغم كل الخوف فالنساء ليست بريئات طيلة الوقت، بعض النساء تصرخ في زوجها وتتهمه بالفجور إذا جرأ وتحدث إليها في خبرة جنسية ما، أو تطاول وطلب شيء مختلف عن النمطي والتقليدي، وقد تذهب البعض من النساء إلى اتهام الزوج بالشذوذ، واتباعه سلوكيات غير مقبولة اجتماعيًا، بما يُجرمه أمام العائلة والأهل، ثم تأتي وتستنكر بعد ذلك حين يثور لفعل تافه أو يصطنع مشكلة، بينما هو قد خزّن عشرات الضغوط من جراء الكبت والخوف الذي غرسته الزوجة بدافع الحياء والأخلاق.

نعيش عمرنا محملين بميراث من الخوف نسميه خجلًا فلا يحق لامراة أن تطلب ممارسة الجنس مع زوجها، حيث الزواج هو المؤسسة الرسمية والاجتماعية والشرعية المقبولة والمتعارف عليها لممارسة الجنس بلا أي إثم من أي نوع أو أي طرف، ورغم ذلك نحن نُحرمه.

تواطئات كثيرة للصمت، غير مدركين أن هذه التفاصيل الصغيرة تؤدي لمشكلات كبيرة، فالجنس فعل عظيم الأهمية، مساحة تتحقق فيها جميع الفوائد والأهداف، فعل بدني يُخلص من التوتر، فعل حميمي يُسهم في زيادة المودة والمحبة والتأكيد عليها، ورغم كل ذلك فإنه وداخل مؤسسته الشرعية (الزواج) مسكوت عن مشاكله.

لن نتحدث عن الجنس خارج الزواج فهو محرّم اجتماعيًا، ودينيًا، وفئات عديدة تنكره وإن غضت الطرف عن وجوده، لكن لماذا نُحرمه داخل مساحته الآمنة؟

دعونا نتذكر فيلم «النوم في العسل» حين انتشر العجز الجنسي بين الرجال، فساد العنف، حتى امتلأ القسم بعشرات الرجال والنساء الذين تبادلوا العنف ووصل بهم الأمر إلى القسم لتحرير محاضر، ومنعهم الخوف من الافصاح عن السبب الحقيقي وراء كل هذا العنف.

الأمر يحتاج وقفة حقيقية، مراجعة لكثير من المفاهيم والسلوكيات بين الزوجين، ليس سُبة أن تطلب الزوجة من زوجها القيام بفعل حميم ترغب في تجريبه، وليست جريمة أن يُشارك الرجل زوجته خبراته. كما أنها ليست إدانة للزوج أو الزوجة حين يسأل الزوج زوجته عن رأيها ومدى رضاها، فعدم الرضا لا ينتنقص من الطرف الآخر، بل ربما كان محفزًا حتى يسعي للتقريب بينهما.

ليس فعلا مُشينا أن يتناقشا حتى تتقارب أفكارهم، وقبل أن نُعدد أسباب الخلاف السطحية انظروا أبعد من هذه الخلافات، فكروا في مساحاتكم الآمنة والحميمة، هل أنتم سعداء وراضين؟

المقال المنشور في  قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه


1
0
0
0
0
0
0