قبل ثلاث سنوات من الآن كان أحمد م. يحرص على صلاة الجمعة في أحد مساجد القاهرة إعجابا منه بإمام المسجد، التابع لوزارة الأوقاف إلا أن الأمر أصبح رتيبا ومملا بالنسبة له، حتى أنه قرر ألا يذهب إلى المسجد يوم الجمعة إلا عند اقتراب الإمام من إنهاء خطبته.

حكايات من مقاطعة صلاة الجامعة

أحمد يقول لـ«شبابيك» إن الخطباء المحيطين بمنزله كلهم يرددون نفس الكلام، ولا أحد يقدم أي معلومة جديدة، كما أن الإمام المجاور لمنزله دائما ما يربط بين غلاء المعيشة وزيادة الفقر وذنوب الناس.

 يرى أحمد أن هذا الربط غير مقنع فالفقر الحاصل في البلد هو ناتج عن سياسات اقتصادية أقدمت عليها الحكومة فيما عرف ببرنامج الإصلاح الاقتصادي ولا علاقة له بذنوب الناس.

 كل هذه دفعت الشاب الثلاثيني الذي كان يحرص على حضور الصلاة قبل الخطبة ببعض الوقت، أن يقرر مقاطعة الأمر وتتحول الصلاة بالنسبة له كما يقول: «تأدية واجب أو قضاء فريضة».

قبل ثلاث سنوات من الآن كان أحمد م. يحرص على صلاة الجمعة في أحد مساجد القاهرة إعجابا منه بإمام المسجد، التابع لوزارة الأوقاف إلا أن الأمر أصبح رتيبا ومملا بالنسبة له، حتى أنه قرر ألا يذهب إلى المسجد يوم الجمعة إلا عند اقتراب الإمام من إنهاء خطبته.

أما محمد بات مقاطعا لصلاة الجمعة تماما بسبب أسلوب الخطيب القريب من مسجده، حيث يقول في منشور له على حسابه بفيس بوك: إن الرجل يتحدث بصوت عالي بشكل مزعج، «فاضل شوية ويشتم الناس اللى قعدين قدامه» وكل كلامه عن العذاب.

رغم كون صلاة الجمعة من أهم الشعائر الإسلامية، وتوجد تحذيرات فقهية كثيرة تخوف من التأخر عنها لغير عذر، إلا أن عماد شريف كتب على حسابه بموقع فيس بوك: إن صلاة الجمعة باتت «أكبر مدخل من مداخل الشيطان بالنسبالي».

بصوت اليائس يتحدث عماد قائلا: «للأسف من ساعة ما خطب الجمعة بقت رديئة وضعيفة في السنوات الأخيرة، والشيطان يعرف يضحك عليّ ويبوظلي الجمعة واحدة واحدة.. كنت ببقي حريص على التبكير للجمعة والحضور للمسجد قبل الخطبة بفترة كبيرة، لكن حاليا بنزل متأخر عادي».

انقلاب يناير 2011

أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، يرى أن المجتمع المصري حدث فيه انقلاب على المستوى السياسي والاجتماعي في عام 2011، فغالبية القضايا التي كانت مغلقة فتحت وطرحت للنقاش.

ويضيف في حديثه لـ«شبابيك» إن بعض الناس ممن شاركوا في ثورة يناير تحديدا باتوا محبطين، وسحبوا إحباطهم على كل ما يحدث حولهم، ويمكن أن تكون حالة الانتقاد الحادة هي جزء من حالة الثورية التى ما تزال قائمة.

الإحباط نفسه يقود الشباب إلى التفكير في الهجرة، فمعدلات طالبي الهجرة من المصريين مرتفعة خلال السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق، كما أن الجميع بدء يلجأ للاعتزال سواء بإدمان الإنترنت، الدخول في حالة إغراق إلكتروني حتى أن مصر في مقدمة دول العالم استخداما للمواقع الإباحية.

ويشير إلى أن كل المظاهر السلبية الموجودة حاليا كانت موجودة في مصر من قبل الثورة سواء الإلحاد مثلا أو التحرش أو الدعوة لتجديد الخطاب الديني وتطوير مهارات الدعاة، لكن لما فتح الإعلام هذه الملفات وخلق نقاشات حولها واستضاف أصحابها تحولت من الخفاء للعلن، وبات كثيرين يتحدثون فيها، لكنها قديمة وليست جديدة على المجتمع المصري.

ن بعض الناس ممن شاركوا في ثورة يناير تحديدا باتوا محبطين، وسحبوا إحباطهم على كل ما يحدث حولهم، ويمكن أن تكون حالة الانتقاد الحادة هي جزء من حالة الثورية التى ما تزال قائمة.

ويشير إلى حالة الكفر بالسياسية التي أصابت البعض، خصوصا بعد 30 يونيو 2013، والتي جعلت بعض الناس ناقم وغير راضي بأي تصرف مخالف لما يريده حتى لو كانت مجرد كلمات وعظ.

الخطبة الموحدة فاقمت الأزمة

خطب الجمعة صارت محل جدل ومناقشات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي نقاشات العامة، منذ قرر وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة تحويل الجمعة لخطبة موحدة، في عام 2016، وحاول وقتها تعميم فكرة الخطبة المكتوبة إلا أن هيئة كبار العلماء بالأزهر رفضت الفكرة وهاجمتها.

لكن بقي الحال معمولا به بالنسبة للخطبة الموحدة لكن بدون أن تصبح مكتوبة، وألزمت الوزارة خطبائها بضرورة الالتزام بموضوع الخطبة من خلال متابعة الموقع الرسمي للوزارة والتي تنشر عليه خطبة الجمعة بشكل دوري، وتصدر بها الوزارة بيانا يوزع على المديريات التابعة لها، والصحف.

وفي تصريحات له يقول الشيخ عمر خالد، خطيب بأحد مساجد وزارة الأوقاف بمنطقة فيصل بمحافظة الجيزة، إن هذه الحالة التي يعاني منها بعض الشباب لا ناقة للخطباء فيها ولا جمل.

ويضيف في تصريحات لـ«شبابيك» إن خطبة الجمعة تأتي من قبل الوزارة، وتقوم بإعدادها لجنة متخصصة وفي الغالب لا تتناول الخطب أي موضوعات سياسية كما يدعى البعض.

خطب الجمعة صارت محل جدل ومناقشات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي نقاشات العامة، منذ قرر وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة تحويل الجمعة لخطبة موحدة، في عام 2016، وحاول وقتها تعميم فكرة الخطبة المكتوبة إلا أن هيئة كبار العلماء بالأزهر رفضت الفكرة وهاجمتها.

ويشير إلى أن الخطيب أو إمام المسجد ليس تابعا إلا لوزارته ولا يدافع عن أحد ولا يهتم في الغالب بالقضايا السياسية فقط بعض الخطب تتناول فوائد حفظ الأمن، وتعلي من قيم الوحدة الوطنية.

ويرى الإمام أن صلاة الجمعة من الشعائر التي يجب أن يحافظ عليها المسلم ولا يجوز التخلف عنها بدون عذر شرعي مقبول.

 ويدلل الشيخ على كلامه بذكر حديث عن النبي محمد رواه الإمام مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لينتهن أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين».

ويضيف أن هنا حديث آخر يقول فيه النبي: «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه».

 ويرى خالد أن من يتحدثون بمثل هذا الكلام في الغالب هم ضعاف الإيمان ويجب أن يعودوا إلى الله.

لكن الطب النفسي له تفسير مختلف

حالة الرفض التي يعشها بعض الشباب باتت موجودة حتى لو كان الخطيب قوي ويمتلك أدواته، وهو ما يفسره استشاري الطب النفسي  جمال فرويز، عموما بأنها حالة تعميم سطحية.

ويشبه الأخصائي النفسي حالة الرفض التي يعلنها بعض الشباب بخصوص صلاة الجمعة بانها نابعة عن غياب الثقافة عموما، ويسحب كل الكلام الذي يقوله الخطباء على أنه نفاق سياسي أو غيره.

ويشير إلى أن ذلك محاولة من الفرد لخلق مبرر له لكي يبتعد عن العبادة، أو نوع من الكسل يحاول من خلاله تبرير لنفسه تقصيره أو وقف حالة تأنيب الضمير التي تنتابه كلما تقاعس عن فعل أمر ما سواء كان ديني أو أخلاقي.

بعض الحالات الأخرى تحاول التبرير لنفسها بقوله «إن الخطيب لا يعجبني أو توجهات المؤسسة الدينية لا تتوافق مع رؤيته السياسية، فيبدأ يردد مصطلحات مثل أنا ملحد، أو لن أصلي وهكذا».

الانتكاسات وحالة الإحباط تنعكس على الممارسات

ومن جهته يقول أستاذ علم النفس الدكتور محمد عفيفي، إن بعض الناس قد يعانون من إحباط أو اكتئاب مرحلي بسبب تعرضهم لانتكاسات على المستوى الشخصي أو حتى المجتمعي وبالتالي يسحبون ذلك على كل الممارسات الحياتية.

ويشير إلى الشخص الذي يشتكي من ضعف الخطيب مثلا أو تراجع أدائه يجب ألا يجعل ذلك مبررا لعدم الصلاة أو مقاطعتها، لأنها جزء من الشريعة الإسلامية.

ويكمل أن بعض المساجد بها علماء يتمتعون بقدر ما من العلم فليبحث عن أحدهم، أو أن يحاول أن يسيطر على نفسه ويطرد مثل هذه الأفكار، ويصلي حتى ليسقط الفرض عن نفسه.



0
0
0
0
0
0
0