افتراضات جدلية، ربما تقود أصحابها للهاوية من وجهة نظر البعض، بينما آخرون يرونها وصولا للحقيقة، لتتشكل مظاهرة إلكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي، عقب كل واقعة يعلن أبطالها تركهم لدينهم، ودخولهم ضمن قائمة الملحدين، لتبدأ عاصفة الهجوم الرافض لفكرة التخلي عن الدين المقدس، أو رافضة للهجوم على متنبي فكرة الإلحاد، بدعوى أن الدين يندرج ضمن قاعدة «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

 في منتصف شهر فبراير 2019، أعلن شادي سرور أحد أشهر منتجي المحتوى المصور على شبكات التواصل الاجتماعي، تخليه عن الدين الإسلامي، وهو ما شكل صدمة كبيرة لمتابعيه.

«شادي» الذي أعلن في أكتوبر 2018، أنه يفكر في الانتحار ليس الأول الذي يتسبب إلحاده في عاصفة من الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فسبق وأقدمت ناشطة تدعى زينب المهدى في 2014 على الانتحار بعد إعلان الإلحاد أيضا، وهو ما تسبب وقتها في عاصفة من الجدل كون الفتاة تخرجت من جامعة الأزهر.

وفي مصر يوجد قرابة 1000 ملحد وفق ما أعلنته دار الإفتاء المصرية في تقرير لها صيف 2018، إلا أن مقارنة هذه الأعداد مع ما أعلنته دراسة أمريكية صادرة عن مؤسسة «بورسن مارستلير» بنيويورك، يكون الأمر صادما حيث بلغ عدد الملحدين في مصر 3% من عدد السكان، أي ما يصل لقرابة 3 ملايين مصري.

الثورة ساعدت في الانتشار

 هذه الأرقام زادت بشكل كبير عقب ثورة يناير 2011، وهو ما يراه أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق بأنه ليس زيادة لكنه مجرد إفشاء للفكرة، فبحسبه فتحت الثورة مناطق كثيرة كان محظور الحديث عنها قبلها.

 يؤيد ذلك استطلاع أجراه معهد جالوب الأمريكي، فكانت مصر تتصدر الدول الأكثر تدينًا في العالم في 2009، بينما صارت أكثر الدول التي يوجد فيها ملحدين في الشرق الأوسط حاليا.

وسواس قهري

بداية التفكير في الإلحاد إلا لم تكن قناعة دينية قائمة على التبحر في العلوم الفلسفية، وطرح الأسئلة التي قد تعيد الشخص مرة أخرى لحظيرة التدين، فهي ربما وسواس قهري، بحسب ما يراه استشاري الطب النفسي جمال فرويز.

تسيطر الفكرة القهرية التي تعلى من قيمة الإلحاد وتشككه في معتقده بشكل تدريجي، حتى يصبح متشكك في كل شيء ويفقد إيمانه نهائيا وفي هذه الحالة يؤكد فرويز أن المريض بهذه الفكرة يعود لحياته الطبيعة بعد خضوعه للعلاج.

ويشير إلى أنه يستقبل كثير من المرضى النفسيين المصابين بالوسواس القهري، الذي يفكرون في الخروج من ملتهم، في عيادته، وفي الغالب يكونوا مصابين بأمراض نفسية تحتاج العلاج.

البحث عن الشهرة

من الناحية النفسية هناك صنف ثاني قد يفكر في الإلحاد كما يقول الخبير النفسي، وهم الباحثون عن الشهرة، فمن باب خالف تعرف، يحاول البعض إعلان أنهم ملحدين لمجرد شعورهم بالنقص العاطفي، وهو ما يدفعهم لجذب الانتباه من خلال إعلان فكرة غريبة، كأن يقول أنا ملحد أو أنا اخترعت جهاز ما ويكون الهدف في النهاية هو الشهرة.

الشخصية الحدية

أما السبب الرابع الذي يجعل شخص ما قد يفكر في التنازل عن ديانته أن يكون تعرض لنقص عاطفي، أو انتكاسة نفسية تحوله لشخصية متقلبة، أو ما يمكن تسميته بالشخصية الحدية، وهو غير المستقر عاطفيا.

هذا الشخص كما يقول فرويز يكون اندفاعي فمرة يقول أنا ملحد، وأخرى يرتدي زيا دينيا ويطلق لحيته ويدعى أنه متدين، حسب ما تمليه عليه الاندفاعات.

الإلحاد والمجتمع

بالنزول بالفكرة للساحة المجتمعية، لمناقشة التأثيرات التي قد تدفع بعض الشباب للإلحاد يقول الدكتور أستاذ علم الاجتماع طه أبو الحسن، إن الإلحاد فكرة قديمة وجدت مع ظهور أديان التوحيد.

ويضيف في تصريحات لـ«شبابيك» أن فكرة تفشي التحول الديني في مجتمع ما تعود إلى تفاعلات ذاتية، تدعمها بعض الظواهر الاجتماعية، مثل غياب المظاهر الدينية الصحيحة، وتراجع الوعي الديني.

تقليد الغير

 ويشير إلى أن بعض الأفراد يدخلون في طريق الإلحاد تقليدا لغيرهم، أو لارتباطهم ببعض الأشخاص الملحدين وبالتالي يقررون مسايرتهم والسير على نهجهم.

فقدان القناعة الدينية

تتفق أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، هالة زايد، مع ما يطرحه طه أبو الحسن، إلا أنه تزيد أن تفشي فكرة الإلحاد في مجتمع ما يرجع لفقدان بعض الأشخاص، لقناعاتهم الدينية.

وتشير إلى أنه يوجد قطاع كبير من المصريين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين ورثوا الدين ولا يعرفون عنه أي شيء، وبالتالي هم مفتقدون للإيمان، وتحولهم لفكرة الإلحاد يكون من باب اختيار الطريق الأسهل، الذي لا يوجد فيه أي التزامات سواء على مستوى الطقوس، أو حتى المقاييس الأخلاقية.

وتشير إلى أن انتشار فكرة الإلحاد في الفترة الأخيرة في مصر راجع لعوامل خارجية، حيث هناك مجموعات فكرية بدأت تنتشر في مصر غالبيتها ممول من جمعيات غربية، تبدأ في نشر الأفكار التشككية بين الشباب، من باب تفكيك المجتمع، فبعضها يغزي الأفكار المتطرفة دينيا سواء بين المسلمين أو المسيحيين وأخرى تحاول مغازلة الباحثين عن الحرية بفكرة الإلحاد.

   شبكات الإنترنت

وبالرجوع للرؤية الدينة التي تناولت فكرة الإلحاد يقول أستاذ مقارنة الأديان في جامعة أمستردام، الدكتور أشرف السويسي، عضو لجنة حوار الأديان بالأزهر، إنه هذه الظاهرة غربية في الأصل جاءت عن طريق الفلاسفة أولا وتحديد عن طريق الفيلسوف ديموقريطس الأبديري الذي أرجع توالد العالم إلي الضرورة دون أن يخلقها إله ثم أصبح الإلحاد مذهبا فلسفيا بلغ ذروته في الماركسية.

ويشير إلى أن شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في نقل الأفكار وتداولها بشكل كبير.

ويتفق ذلك مع استطلاع أجرته «بي بي سي» حول المنصات الإلكترونية المعبرة عن الملحدين في الوطن العربي والتي نتج عنها رصد مئات من صفحات فيسبوك وحسابات تويتر تابعة لملحدين من العالم العربي.

ويشير تقرير الإذاعة البريطانية إلى أن فيسبوك يحتوي على العديد من الصفحات التي تدعو الملحدين العرب إلى الانضمام إليها، أبرزها صفحة «الملحدين التونسيين»، التي تضم عشرات الآلاف «الملحدين السودانيين» وعلى تويتر، يتراوح عدد متابعي الحسابات التي يعلن أصحابها أنهم ملحدون مئات الآلاف.

أيضا لم يخلو موقع الفيديوهات الشهير يوتيوب، من وجود المحتوى الإلحادي فيوجد قنوات كثيرة تبث محتويات تهاجم الأديان لاسيما الدين الإسلامي.



0
0
0
0
0
0
0