أنا أعرف تلك الابتسامة، تخبئها في جيبك الداخلي، تخرج عليّ بها في صوت محمل بكثير من اللامبالاة، أعرف دغدغة روحي كلما مررت بصورك وكلماتك، وأعرف هذا الوجع المنتشر في جسدي.

المعرفة تخلق الاحتياج هكذا تعلمنا، وهكذا نتدرب في الحياة، أُخبر المحيطين عن الاهتمام، عن العلاقات المشفوعة بالبراح، وعن أيام يعز فيها الوصل.

يتحدثون عن علاقات مفتوحة، يسمون التخلي بأسماء براقة، أسماء يمكن تداولها دون خجل، وأنا استمع لهم وأضحك.. لماذا لا تقولون إنكم ترغبون في علاقة بلا مسئولية، علاقة ليست لها أولويات في المساواة، لكنها مشحونة بلحظات الوجع.

تبقي اللمسات الحانية إبر تنغرز في النظرات المتلصصة، وأفكار شبحية عن ليال تخلو من الهم، من التفكير، ليال بدهانات بلاستيكية تتحمل الغسيل والاتساخ بالوصم والبعد.

أضيق بالحدود وأطمح إلى حرية تفيض بها أنفاسي، أُربي طيورًا لا أملكها، وأفرح كلما عادت إلى عشها الذي بنته في شرفتي، لكنني لا أميل إلى الفوضى.

يتحدثون عن علاقات مفتوحة، يسمون التخلي بأسماء براقة، أسماء يمكن تداولها دون خجل، وأنا استمع لهم وأضحك.. لماذا لا تقولون إنكم ترغبون في علاقة بلا مسئولية

ننقل الزخرفة إلى الكلمات والأسماء، نبتعد عن الألقاب القديمة ونخترع جُملا تليق بالوجاهة الاجتماعية، ننحت من الفراغ لغة لا تعرينا، وتفضح جهلنا وقيد أرواحنا، لم تعد كلمة «ماشي معاها» أصبحت «متصاحبين» وأسفل الكلمة الثانية سننخرط في حفر.. حفر تليق بالتخفي.

وتأتي التساؤلات مثل شلال في رأسي من الذي يهرب من المسئولية هل: الرجل أم المرأة؟

ربما تأمل النساء في متسع من الوقت، من الأجساد، ومن القلوب.. مساحات آهلة لإعلان تمردها والصراخ بأنها قادرة على أن تتحول إلى فراشة مناسبة للقفز بين أزهار وأنواع عديدة، لكن نساء وطننا فُطِرا على القمع، على الكبت مهما فُتحت الأبواب، نربي بناتنا كونهن عورة، بأنهن ناقصات ومنتقصات دون الذكر، وحين نحررهن من البيت تمضي كل منهن وفق شجاعتها، وفق القواعد التي وعت لها، حتى هؤلاء اللواتي يتمردن، وينحون نحو التخلي كقيمة حياتية، سرعان ما يقعن فريسة لعشق يردهن مرة أخري للقيد.

ربما هناك قلة يرغبن في التحليق دون مسئولية، ترفضن أن ترتبطن برجل محدد، لكن الطبع غالب والقمع متجذر في الروح، فمهما غالبن القيد، نعود فنحن بنات وسيدات هذه الأرض التي ربطتنا بوهم النقصان.

ربما ترونني منحازة، والانحياز أمر صحي، فكيف أبحث عن حل وأنا لا أعرفني، وكيف أعرفني ولا أرفض هراءات عششت في وعينا عبر عقود طويلة.

ننقل الزخرفة إلى الكلمات والأسماء، نبتعد عن الألقاب القديمة ونخترع جُملا تليق بالوجاهة الاجتماعية، ننحت من الفراغ لغة لا تعرينا، وتفضح جهلنا وقيد أرواحنا، لم تعد كلمة «ماشي معاها» أصبحت «متصاحبين» وأسفل الكلمة الثانية سننخرط في حفر.. حفر تليق بالتخفي.

وبرغم الانحياز فإن الصورة التي تبدو فيها النساء مجبولات على التحمل، يأتي الرجل بوصفه بطل الحكاية دومًا، هناك قواعد يتم تداولها في مجتمع الذكور، قواعد تخص الشريكة، مواثيق لضرورة الامتلاك، الرجل حين يدخل في علاقة مفتوحة هو يسعي أيضًا للتحرر، يسعي لخلق مواثيقه، ووضع قواعده الخاصة، يهرب من القطيع، ومن وصفه حسب دوره البيولوجي، الرجل أيضًا راغبًا في التحرر، في فتح ذراعيه وضم عدد أكبر من النساء دون أدنى اهتمام أو مسئولية بالخطوة التالية.

محض تعدد خادع، فالتعدد يقوي بذور الإرث الذي يهرب منه، محاولات هروب فاشلة من القطيع، وتعدد لا يدوم، مهما ظن أنه مارسه.

سنقف أمام جملة علاقة مفتوحة ونضحك، وربما يصب بعضنا اتهامات أخلاقية نحو بعض من يستظل بهذا العنوان، والحقيقة أنني لا أرى أنه نمط حقيقي للونس والصحبة، فالعلاقات الداعمة للحنين تخلو من أبطال التخلي، المسئولية عمود فقري في أي علاقة، فحين تكون العلاقة بلا قواعد تُصبح مثل نبات الأيلوديا، وهو نبات مائي بلا جذور تُحركه تيارات الماء، فيصبح بلا وطن، ثم طعام لأسماك أو طيور فيما بعد.

العلاقة أيًا كان اسمها تحتاج قواعد، وبناء يمكن القياس عليه، ليس هناك شكل بلا محددات، حتى الأشكال الوهمية تتخذ حدودًا وهمية.

الحديث عن مساحات من الحرية لا تعني أن نفسد أرواحنا، أن نتشتت ونبعثر خلايانا على لقاءات لا يبقى منها في الذاكرة سوى الألم، ربما يهرب الرجل من مسئوليات البناء، قد يجد مبررات كبيرة، فهو الباحث عن المتعة والتعدد، سيجد المسئولية قيد، وسيعرف في أحادية الشريكة مساحة من القهر عليه أن ينضم لها طواعية، حين نُفكر في العلاقات التي تضمنا مع الآخرين، نذهب إلى اختراع سمات جديدة، ولا نُفكر في ترميم ما نملك، نهب أرواحنا للفراغ، ونوشمها بالتحرر، بينما هناك في منطقة بعيدة في الداخل تكمن الأصفاد، والسجن المعد لاقتناص شريك/شريكة.

العلاقة أيًا كان اسمها تحتاج قواعد، وبناء يمكن القياس عليه، ليس هناك شكل بلا محددات، حتى الأشكال الوهمية تتخذ حدودًا وهمية.

لم تُفكر المرأة في دعم علاقتها بالرجل، في محاولة تفهم نمط حياته، في منحه متسع من البوح والغزل حتى لأخريات، لم تسع لتظله بالحنان والاهتمام، ولم تفكر في روحها وهي معه، تسجن نفسها ظنًا منها أنها عصفور في قفصه، لكن العصفور الذي لم يتعلم فرد جناحيه سرعان ما يلتصق جناحيه بجسده، ويصبح طائر شؤم، لا يخرج غير أصوات مزعجة، فتتحول المرأة في علاقتها الالتزامية بالرجل إلى نموذج للشكوى، والتذمر من كل شيء.

وكذلك الرجل سار على الدرب، لكنه البطل في مجتمعنا الشرقي، يحصد النجاحات حتى وإن كانت صنيعة امرأته، هكذا تربينا، على المرأة أن تبذل من الجهد أضعاف الرجل حتى يُلتفت لها فقط.

ومجددًا أتساءل من يهرب من المسئولية في علاقة؟ ولماذا هي علاقة مفتوحة؟

هذا المصطلح اخترعه رجل يرغب في تعدد غير محسوب، وامرأة لم تُفكر أنها في بلاد لا يتحمل فواتير العلاقات فيها سوي النساء، أنماط علاقات نظنها أفق للحرية، بينما هي زيف مخل، فأي علاقة قرر طرفاها استمرارها لفترة من الزمن هي بالضرورة تحتاج قواعد وترتيبات، وإذا وافقنا على القواعد لم تعد علاقة مفتوحة، فقبل أن نفتح المظلة ونسمي أنفسنا في علاقة مفتوحة نقف ونتخلى عن الكلمات الجميلة وننظر إلى حقيقة وواقع العلاقة.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه

 


0
0
0
0
0
0
0