إنهاردة عيد الأم.. أكتر يوم سخيف بالنسبة لي وبالنسبة لأمهات كثيرات غيري، تمتلأ المحلات وفرشات الأرصفة بأطقم كوبايات وزهور بلاستيكية وفازات وعبايات سوداء وشرابات نايلون وتنتشر أغاني عيد الأم كـ رنات أو مقاطع انتظار على الهواتف، يتسابق الأبناء لتسجيل المعايدة بمكالمة هاتفية خوفا من زعل الأم.. والبعض يذهب للزيارة، حسنا.. يبدو المشهد من بعيد: تمام، لكن في الحقيقة فأنا كأم لا أريد طقم كوبايات. ولا طاسة تيفال، أنا فقط أريد أن أنام. هل مطالبي صعبة لهذة الدرجة؟

من الذي خدعكم وقال لكم إن الأمهات يحببن أطقم الملاعق والكوؤس والمفارش؟  لماذا تعتقدون أن الأم المصرية تحب أغنية «ست الحبايب»، وهي أكثر أغنية كئيبة.. ذات لحن جنائزي يثير النكد في النفس ويبعث على البكاء؟

هل تظنون أن الأغنية هي المفضلة لأنها تتماشى مع طبيعة الأم المصرية عاشقة الدراما؟ هل لأن هناك صورة ذهنية في عقول الأبناء والأزواج عن أمهم وزوجاتهم بأنهن ملكات الدراما؟

نحن لا نعشق الدراما يا سذج.. نحن نبكي مع كل كلمة في هذه الأغنية ليس حبا فيكم ولا حبا في خدمتكم والتفاني أمام رغباتكم، والأنصهار والأنسحاق أمام طلباتكم.. نحن نبكي شبابنا «زمان سهرتي وتعبتي وشيلتي» نبكي الليالي التي ضاعت «أنام وتسهري.. وتباتي تفكري.. وتصحي من المنام وتيجي تشقري» ربنا يقلق منامكم.. تتحول الأغنية عندنا إلى «عديد» ونواح.. تذكرنا بالأخطاء التي ظنناها صوابا لا تكتمل حياتنا/ أنوثتنا إلا بها، تذكرنا بأننا كنا عبيطات أنضحك علينا.

من قال لكم إننا نسعد بعيد الأم وبهداياكم السخيفة وبكلامكم اللي شبه بعضه؟ من قال لكم إننا لا نريد من هذة الدنيا إلا راحتكم؟ راحتكم فقط؟ يا عزيزي أنا عايزة أنام.

( 1 )

هل تظنون أن أغنية ست الحبايب هي المفضلة لأنها تتماشى مع طبيعة الأم المصرية عاشقة الدراما؟ هل لأن هناك صورة ذهنية في عقول الأبناء والأزواج عن أمهم وزوجاتهم بأنهن ملكات الدراما؟

منذ طفولتنا يتم تقسيم الأدوار.. لا أعرف من هو أول شخص فرض هذا القانون وسرنا عليه حتى الأن، الأولاد يلعبون بالسيارات والأسلحة والفتيات بالعرائس وأدوات المطبخ.. لا نقود دراجات عشان غشاء البكارة، ولا نخالط الصبيان حتى لا نأخذ عنهم طباعهم العنيفة أو الردود القوية ويصبح عندنا شخصية قوية وواضحة وجريئة مثلهم، لنقبع هنا في المنور نجلس مع فتيات أخريات نلعب بالعرائس، طبعا طبعا فالأمومة غريزة، أو هكذا أنضحك علينا وانطلت علينا الخدعة حتى صدقناها تماما ونفذناها في الواقع على ما يرام.. ثم اكتشفنا فيما بعد أنه لا وجود لما يسمى بغريزة الأم وأن الاهتمام بالأبناء بيبقى بسبب الإحساس بالمسئولية تجاههم، واللي بالمناسبة موجودة عادي عند الأب..

أقولكم على المفاجأة: الأب يقدر يعمل كل اللي بتعمله الأم، يصحي الأولاد هيهزهم كدة كتير ويحاول يفوقهم هو أه ممكن يوصل لمرحلة أنه يصوت فيهم عشان يصحوا بس هيقدر وهيعملها، ممكن يجهز لهم الساندوتشات ويشيك على لبسهم ويقدر يربط لهم الجزمة وينزلهم الباص، فيه سلالم كدة بننزل عليها لحد تحت عند مدخل العمارة هناك بقى الباص واقف وهيلاقي الباب مفتوح ما يقلقش، وممكن يعدي عليهم ياخدهم للتمرين وربنا هيقويه ويصبره في ساعات الأنتظار يا إما بالرغي مع أولياء الأمور يا إما يطلع يشتري طلبات لحد ما يخلصوا، ويقدر برضة يقعد يذاكر معاهم ويشوف عملوا إيه في الواجب.. فيه كراسات كدة بتتفتح فيها كتابة لو قراها هيعرف الولد حل صح ولا لأ.. ممكن كمان يصحى باليل يروح يبص عليهم ويغطيهم، آه والله بيشد الغطا من كل ناحية كدة.

يقولون لنا: الأمومة غريزة والأبوة تُكتسب.. لكن الحقيقة أنه لا وجود لغريزة أو نمط معين في الشخصيات تم تحديده سلفا حسب الجنس، فهي في النهاية مسئولية، تم إلقائها على الأمهات فتلقينها كأمر مُسلم به راضيات في البداية ثم كاشفات الخدعة في النهاية.. وحينما يكشفن الخدعة لا يقدرن على البوح ولا المكاشفة والمواجهة، فمن تستطيع الجهر بأنها تعبت أو تريد أن تعش لنفسها وتُبدي أحتياجاتها عن أحتياجات أبنائها وزوجها في بالتأكيد آثمة، من مننا لم تسمع جملة: «وجه لك قلب تخرجي وتنبسطي والعيال مش معاكي؟» أو «يا قلبك .. هتسافري وسايبة عيالك عند مامتك؟» بكل بساطة يتم اتهامنا بالقسوة والتقصير لأننا بنقدر نبعد شوية أو بنتعامل عادي مع عيالنا من غير لزقة مننا أو منهم..

حتى أن لقب الأم المثالية – أو الرتبة - تتحصل عليه أم عادة ما تكون أرملة أفنت شبابها على تربية أبنائها، وكأنه لا يصح أن تكون أما مثالية تزوجت مرة أخرى مثلا أو طُلقت وتزوجت بآخر، طبعا.. لازم تضيع عمرها عليهم وتنسحق أحلامها وأمنياتها لأجل أبنائها، مع أنه عادي جدا أن تتزوج وتُربي أبنائها تربية ممتازة حتى ساعتها ستكون أمرأة سعيدة تتمتع بصحة نفسية.

( 2 )

حتى أن لقب الأم المثالية تتحصل عليه أم عادة ما تكون أرملة أفنت شبابها على تربية أبنائها، وكأنه لا يصح أن تكون أما مثالية تزوجت مرة أخرى مثلا أو طُلقت وتزوجت بآخر

في الكواليس، بعيدا عن بوستات عيد الأم والأغاني والرسائل وصور الورود المنتشرة منذ أمس.. بين الأمهات – خاصة بين الأمهات الصغيرات من جيلي- نحن نشعر بالكثير من الضغط وكأننا يجب أن نُتم كل شيء على أكمل وجه، والأخطاء غير وارد حدوثها بل ولا يصح اعتبارها احتمالا قائما.. كل شيء يجب أن يكون مثاليا جدا.. البيت مرتب ونحن نشطات والأبناء مستحميين صحتهم كويسة وحالين الواجب مستواهم ممتاز في التمارين الرياضية، لا أغيب يوما عن عملي وعلاقاتي بحماتي وأهل زوجي على ما يرام دائما أزور واجامل..  نشعر بالضغط والوحدة، ثم يأتي يوم عيد الأم لننفجر داخليا: نحن لا نريد معايدة زائفة من زوج أو أبن، نريد المشاركة الحقيقية طوال العام والتفهم وتحمل المسئولية معا وتقبل الأخطاء وعدم الإيلام إذا خلونا لنفسنا أو مارسنا شيئا نحبه أو خصصنا وقتا للقاء صديقة أو للسفر.


هل تعرفون أن كل الأمهات صديقاتي اللاتي تحدثت معهن هذا الصباح ماذا أردن حقا كلهن أردن الهرب للأبد ولو ليوم واحد.. أردن الانطلاق والحرية وليس طقم ملاعق خشبية.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه

 


0
0
0
0
0
0
0