طبيعةٌ بكر ووجوه طيبة وسحر أسطوري، تلك ما تقابلك به سيرلانكا إذا ما اتخذت وجهتك لتلك الدولة ذات الأغلبية البوذية والذين يُمثلون قرابة الـ70% من عدد سكانها، بينما يُمثل الهندوس 12% والمسلمون 10% والمسيحيون الكاثوليك 7% من إجمالي عدد السكان.

في قداس الفصح لم يكن ذلك السائح الذي سافر من نيوزيلندا ليقضي عطلة طويلة في سيرلانكا يعرف أن الدم الذي تركه في بلاده من أثر عملية قتل مدبرة وجماعية للمسلمين، سيلحق به إلى دولة هادئة أخرى فيحصده.. تلك الفوضى العارمة التي تحدث عنها «زبيغينو بريجينسكي» الكاتب والمفكر ومستشار الأمن القومي لرئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر في كتابة «خارج السيطرة»، وكذلك أبرزه الكاتب دانييل باتريك في «الجحيم».

انتقد «بريجينسكي» على سبيل المثال العدوان على العراق، وقال إنه بمثابة صب لمزيد من الكراهية في العالم، وأن جراء ذلك لن يحصل الجميع إلا على مزيدٍ من الدمار والدم.

وتحدث أيضا عن انسحاق الدول وتحولها إلى دول واهنة ليُصبح العالم غارقٌ في الفوضى، من انهيار السلطة الحكومية وتمحورها حول القوة الفردية، وتفكك الدول، واتساع الصراعات القبلية والعرقية والدينية، وزيادة أعداد اللاجئين، وتفشي المذابح والإرهاب.

عالم مليء بالفوضى التي تبدو من طريقة دورانها وكأنها فوضى ذات طبيعة مُنظمة، فما يحدث في العراق يُعاد إنتاجه في سوريا، وما حدث في ليبيا أعيد تقديمه في اليمن، وما حدث في فرنسا حدث في نيوزيلندا وسيرلانكا.

هل فقد العالم زمام الأمور؟

لن تعلم بشكل مُؤكد من يُسيطر على من، هل الدول المنظمة والحكومات تُسيطر على خمد نيران الإرهاب أم تُساعد في إذكائها بمزيدٍ من الديكتاتورية والاستبداد والكيل بأكثر من مكيال؟

أم أن العنف الفوضوي الذي يضرب الناس والحكومات هو الذي يدفع الحكومات نحو مزيد من الإجراءات الصارمة التي قد تدهس الناس فتدفع بعضهم لانتهاج الفوضى لعقاب تلك الحكومات؟!

دائرة مغلقة من العنف المنظم وغير المنظم، تحمل شعلته أدمغة فارغة تستطيع أن تملأها إذا ما ألممت بمفاتيحها الصدئة، سواء كان من باب الدين أو العرق أو باب الوطن.

في سيرلانكا أقدمت جهة ما على تفجير ثمانية كنائس وفنادق في قداس الفصح، ويبدو أن بعض الذين لم يستطعوا أن يُقيموا دولتهم الإسلامية في سوريا على أنقاض جثامين الناس هناك أرادوا أن يتجاوزا خيباتهم بمزيد من الأنقاض والجثامين والدماء في أي مكان، ليظهر هنا التساؤل القديم والمعتاد، «ماذا عن» ضحايا نيوزيلندا من المسلمين، وكأن الدم الذي سال هناك ليس بلون الدم الذي سال هنا.

مصطلح الـ«Whataboutism» مصطلح يصف ذلك المنطق الذي يُحيلك دائما لأمر آخر ليقارن بين كلا الأمرين، وهي طريقة معتادة في مناوشات مشجعي الكرة على سبيل المثال، فإن احتسب الحكم ضربة جزاء غير صحيحة لفريق أحدهم غالبا يكون رد فعله هو «ماذا عن ضربة الجزاء غير الصحيحة التي احتسب لفريق آخر منذ شهرين ؟!» لذا فالسجالات بين مشجعي الكرة في الغالب غير منطقية ولا تصل إلى نقطة اتفاق أو تفاهم.

وظهرت أيضا تلك الطريقة في التفكير مؤخرا إبان حريق كاتدرائية نوتردام، ليتساءل البعض ماذا عن هدم المسجد الأموي في سوريا ؟ ماذا عن عشرات الضحايا في العراق ؟ ماذا عن ضحايا الإرهاب في سيناء ؟ لماذا لا يتعاطف العالم معهم أيضا؟

الأمر هنا تجاوز نقاش الجمهور المتحمس لأمور كرة القدم ليُصبح أسلوب تفكير، فبينما انتقد كل علماء المنطق والفلاسفة ذلك الأسلوب الذي يعتمد على «ماذا عن»، وأنه أسلوب يصلح فقط للسفسطائية التي لا طائل منها، وللجدل الذي يستمر بلا نهاية، لكنه بالرغم من ذلك أصبح أسلوبا مُتبعا في بلادنا بشكل مُبالغ فيه. فإذا سألت أحدهم عن تعديل الدستور يسألك ماذا عن رفع الرواتب؟

وإذا سألت آخر عن التبرع لفقراء اليمن يسألك ماذا عن التبرع لفقراء مصر؟

وإذا سألته عن حقوق الإنسان يسألك ماذا عن سوريا والعراق؟

**

نوتردام كاتدرائية تاريخية، وهي واحدة من المعالم الفنيَّة التي مازال عالمنا يحتفظ بها، شهدت صراعات دموية وبناها الفرنسيون الذين لهم أيضا تاريخ دموي وتاريخ من الاحتلال الطويل في منطقتنا العربية والإفريقية، لكن ماذا عن الحاضر وماذا عن المُستقبل؟

بلا شك أننا نمر بمرحلة ضعف وتأخر قد يكون مُصاحبا لها كثيرٌ من تقليل الذات والتقزم أمام الدول الغربية، وهذا الذي قد يجعلنا نهتم بقضاياهم بشكل قد يكون مُبالغ فيه، وغير متوازي مع قضايانا المُلحة التي أحيانا لا تحظى على الاهتمام الكافي، ناهيك عن القضايا الإنسانية العالمية والتي قد تحظى باهتمام أكثر بكثير عن القضايا الإنسانية في قارة إفريقيا.

على سبيل المثال الوضع في اليمن مآساوي للغاية، كما الوضع في سوريا على مر السنين الماضية، لكن الاهتمام بكليهما لم يكن أبدا على قدر الحدث.. الدعاية القويَّة لها دور، لكن ماذا لو توقفنا عن لوم العالم؟

نغرق يوميا في تفاصيل صراعاتنا الداخلية، ويكثر العويل على ظلم العالم، ونتمرغ في ذكريات التاريخ سواء كانت ذكريات حضارة مرت علينا ورحلت أو ذكريات عدوان الآخرين علينا، لكننا ننسى مقدرتنا على تغيير الواقع، بالرغم من تجربتنا القريبة.

**

السودان يشهد حراكا شعبيا جامحا، وكذلك الجزائر؛ في حالة شعبنا السوداني، الناس في الشوارع منذ شهور، لكن الإعلام لم يلتفت لهم تقريبا إلا قليلا، كانوا يصرخون في غرفة مُغلقة لايسمعهم فيها أحد، لكنهم لم يتوقفوا كثيرا ليلوموا العالم الظالم، ولم يقولوا «ماذا عن» الثورة في مصر، وكيف حظت على اهتمام العالم!

نظموا أنفسهم، بنوا قواعدهم، رسموا خططهم، ونجحوا أو أوشكوا على النجاح، ليقفزوا فجأة من تلك النقطة المعتمة التي لا يراهم فيها أحد، ليكونوا في بؤرة الضوء والاهتمام.

 

في مصر مثلا وبعد ثورة 25 يناير كان العالم كله يتحدث عن مصر وشعبها بانبهار، طلب البعض في الغرب من شعوبهم التعلم من الشعب المصري، والبعض قال إن شباب مصر قدوة لشباب العالم، وتغيَّرت كثيرا النظرة السلبية للدولة المصرية والتجاهل الكبير للناس في تلك البقعة المهمة من الأرض.. قد يكون الوضع تغيَّر أو لم يتغيَّر، لكن الأكيد أن الناس هم من صنعوا الحدث قبلا وهم من قد يصنعوه لاحقا.

**

«ماذا عن» هي واحدة من تلك الإشكاليات التي يجب أن نواجهها ونتغلب عليها، خاصة في تناولنا لشئوننا اليومية وإدارة إختلافاتنا.

 أما عن «حريق نوتردام» فليس له علاقة بكل الخيبات التي مرت عليك أو كل الهزائم التي هُزمتها، تجاوز أحزانك فقدرك بيدك.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه



0
0
0
0
0
0
0