يتابع موقع شبابيك، سلسة الكتابة عن صحابة الرسول مُحمد صلى الله عليه وسلم، خلال أيام شهر رمضان المبارك، وبطل قصة اليوم السادس من الشهر الكريم، أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب.

خلافة عمر بن الخطاب

لم تتحقق الدولة الإسلامية في عهد أحد من الحكام ما حققته في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي جمع بين النزاهة والحزم، والرحمة والعدل، والهيبة والتواضع، والشدة والزهد.

ونجح الفاروق (رضي الله عنه) في سنوات خلافته العشر في أن يؤسس أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ، فقامت دولة الإسلام، بعد سقوط إمبراطورتي «الفرس والروم».

وشملت دولة الإسلام في عهده من بلاد فارس وحدود الصين شرقًا إلى مصر وإفريقية غربًا، ومن بحر قزوين شمالا إلى السودان واليمن جنوبًا.

مولد عمر ونشأته

ولد عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العُزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ، في مكة ونشأ بها، وكان أبوه معروفًا بغلظته، وكان رجلاً ذكيًّا له مكانة بين قومة.

تعلم القراءة والكتابة، ولم يكن يجيدها في قريش كلها غير سبعة عشر رجلا في هذا الوقت.

إسلام عُمر بن الخطاب

عندما كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، بدأ عمر يشعر بشيء من الحزن والأسى لفراق بني قومه وطنهم بعدما تحملوا من التعذيب والتنكيل، واستقر عزمه على الخلاص من محمد؛ لتعود إلى قريش وحدتها التي مزقها هذا الدين الجديد! فتوشح سيفه، وانطلق إلى حيث يجتمع محمد وأصحابه في دار الأرقم، وبينما هو في طريقه لقي رجلاً من «بني زهرة» فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا، فقال: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم! وأخبره بإسلام أخته فاطمة بنت الخطاب، وزوجها سعيد بن زيد بن عمر، فأسرع إلى دارهما، وكان عندهما خبَّاب بن الأرت -رضي الله عنهما، يقرئهما سورة طه، فدخل عمر ثائرًا، فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها.

فلما رأى الصحيفة تناولها فقرأ ما بها، فشرح الله صدره للإسلام، وسار إلى حيث النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، فلما دخل عليهم وجل القوم، فخرج إليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، فأخذ بمجامع ثوبه، وحمائل السيف، وقال له: أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال، ما نزل بالوليد بن المغيرة؟ فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله والمسلمون، فقال عمر: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: بلى، قال: ففيم الاختفاء؟ فخرج المسلمون في صفين حتى دخلوا المسجد، فلما رأتهم قريش أصابتها كابة لم تصبها مثلها، وكان ذلك أول ظهور للمسلمين على المشركين، فسماه النبي (صلى الله عليه وسلم) «الفاروق» منذ ذلك العهد.

الهجرة إلى المدينة

كان إسلام الفاروق، في ذي الحجة من السنة السادسة للدعوة، وهو شاب ابن ست وعشرين سنة، ودخل عمر في الإسلام بالحمية التي كان يحاربه بها من قبل، فكان حريصًا على أن يذيع نبأ إسلامه في قريش كلها، وزادت قريش في حربها وعدائها للنبي وأصحابه؛ حتى بدأ المسلمون يهاجرون إلى المدينة فرارًا بدينهم من أذى المشركين، وكانوا يهاجرون إليها خفية، فلما أراد عمر الهجرة تقلد سيفه، ومضى إلى الكعبة فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلى، ثم نادى في جموع المشركين: «من أراد أن يثكل أمه أو ييتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي».

موافقة القرآن لرأي عمر

تميز عمر بن الخطاب بقدر كبير من الإيمان والتجرد والشفافية، وعرف بغيرته الشديدة على الإسلام وجرأته في الحق، كما اتصف بالعقل والحكمة وحسن الرأي، وقد جاء القرآن الكريم، موافقًا لرأيه في مواقف عديدة من أبرزها: قوله للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى: فنزلت الآية ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقوله يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب: (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب).

ولعل نزول الوحي موافقًا لرأي عمر في هذه المواقف هو الذي جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: «جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه».

مبايعة عمر بن الخطاب بالخلافة

بويع أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب” خليفة للمسلمين في اليوم التالي لوفاة أبي بكر الصديق، 22 من جمادى الآخرة 13 هجريا 23 من أغسطس 632 ميلاديا.

الفتوحات الإسلامية في عهد الفاروق

أراد الفاروق الخروج بنفسه على رأس جيش لقتال الفرس، لكن الصحابة أشاروا عليه أن يختار واحدًا غيره من قادة المسلمين ليكون على رأس الجيش، ورشحوا له سعد بن أبي وقاص، فأمره على الجيش الذي اتجه إلى الشام الذي عسكر في القادسية.

ودارت الحرب التي استمرت أربعة أيام حتى أسفرت عن انتصار المسلمين في القادسية، ومني جيش الفرس بهزيمة ساحقة، وقتل قائده رستم، وكانت هذه المعركة من أهم المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي.

أعادت القادسية العراق إلى العرب والمسلمين بعد أن خضع لسيطرة الفرس قرونًا طويلة، وفتح ذلك النصر الطريق أمام المسلمين للمزيد من الفتوحات.

معركة فتح الفتوح

بعد فرار ملك الفرس من «المدائن» اتجه إلى «نهاوند» حيث احتشد في جموع هائلة بلغت مائتي ألف جندي، فلما علم عمر بذلك استشار أصحابه، فأشاروا عليه بتجهيز جيش لردع الفرس والقضاء عليهم فبل أن ينقضوا على المسلمين، فأرس عمر جيشًا كبيرًا بقيادة النعمان بن مقرن على رأس أربعين ألف مقاتل، ودارت معركة كبيرة انتهت بانتصار المسلمين وإلحاق هزيمة ساحقة بالفرس، فتفرقوا وتشتت جمعهم بعد هذا النصر العظيم الذي أطلق عليه «فتح الفتوح».

فتح مصر في عهد بن الخطاب

اتسعت أركان الإمبراطورية الإسلامية في عهد الفاروق عمر، خاصة بعد القضاء نهائيًا على الإمبراطورية الفارسية، واستطاع فتح الشام وفلسطين، واتجهت جيوش المسلمين غربًا نحو أفريقيا، حيث تمكن عمرو بن العاص من فتح مصر، في أربعة آلاف مقاتل، فدخل العريش دون قتال، ثم فتح الفرما بعد معركة سريعة مع حاميتها، الرومية، واتجه إلى بلبيس فهزم جيش الرومان بقيادة «أرطبون» ثم حاصر حصن بابليون، حتى فتحه، واتجه بعد ذلك إلى الإسكندرية، ففتحها، وفي نحو عامين أصبحت مصر كلها جزءًا من الإمبراطورية الإسلامية.

عدل عمر وورعه

كان عمر دائم الرقابة لله في نفسه وفي عماله وفي رعيته، بل إنه ليشعر بوطأة المسئولية عليه حتى تجاه البهائم العجماء فيقول: «والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعبد لها الطريق».

وكان عمر، إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله، وكان يدقق الاختيار لمن يتولون أمور الرعية، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكًا لهم في أفعالهم.

استشهاد عمر بن الخطاب

وفي فجر يوم الأربعاء 26 من ذي الحجة 23 هجريا، 3 من نوفمبر 644، بينما كان الفاروق يصلي بالمسلمين ـ كعادته ـ اخترق أبو لؤلؤة المجوسي، صفوف المصلين شاهرًا خنجرًا مسمومًا وراح يسدد طعنات حقده الغادرة على الخليفة العادل.



0
0
0
0
0
0
0