هكذا تناولت السينما خطاب تنحي عبد الناصر.. 6 أعمال فسرت لحظة انكسار الزعيم

يمثل خطاب التنحي الذي ألقاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في أعقاب هزيمة يونيو 1967 أحد أبرز المنعطفات التاريخية التي مرت بها مصر خلال العصر الحديث، حيث مثلّ علامة فارقة بين فترتين زمنيتين كل منها اتسم بمعطيات مختلفة.

وقد تناولت السينما هذا الخطاب واختلفت دلالته من فيلم لآخر، وهذا ما استعرضه الناقد الفني محمود قاسم في كتابه «حكام مصر والسينما».

والغريب  أن خطاب التنحي صار بمثابة الأيقونة في العديد من الأفلام طوال الأجيال ليعبر عن الهزيمة، حيث الصورة المنكسرة لرئيس الدولة وقد بدا منهزماً، يجلس وحيداً أمام الميكرفون وكأن الشعب الذي خرج لاستعادة الرئيس إلى مكانه يحملّه وحده مسئولية الهزيمة، وهذا ما حاولت الأفلام شرحه من فيلم لآخر، كأنما هي معركة سياسية أكثر منها حرب بين الدول العربية وإسرائيل.

العصفور

في فيلم «العصفور» الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1973، نكاد نرى أكثر من نصف الخطاب بالصوت والصورة، وأيضاً كيف بدا الرئيس وهو يلقي الخطاب وهو الذي كان شديد الفخر قبل أيام قليلة أنه ليس «خرع» مثل رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن.

وقد ظهر الخطاب ضمن أحداث فيلم سياسي اجتماعي يؤكد أن مصر تسبح في بحر من الفساد الإداري، وكذلك ظهور مراكز القوى.

ملف سامية شعراوي

ولم يترك يوسف شاهين الفرصة لأي سينمائي آخر لتجاوزه في اعتبار أن خطاب التنحي هو الحدث الرئيس في معركة 1967، ما جعل تلاميذه من المخرجين الذين جاءوا بعده يقدمون جزءاً من الخطاب، وفي كل مرة كانت هناك دلالات خاصة من فيلم إلى آخر.

فقد بلغت الجرأة بكاتب السيناريو بشير الديك والمخرد نادر جلال أن يؤكدا من خلال أحداث فيلم «ملف سامية شعرواي» 1989، أن المشير عبد الحيم عامر كان في سهرة يزوج أحد أقرب الضباط إليه إلى زوجته الثانية التي رقصت على طريقة نادية الجندي. فقد كانوا في مكان مغلق يشربون، ويمرحون، وسهروا حتى ساعات الصباح الأولى، وأن القائد العام للقوات المسلحة قد توجه مباشرة وهو سكير إلى مركز القيادة.

أما خطاب التنحي فقد شاهدته سامية شعراوي في شقتها وحدها وهي تتفرج على التلفزيون، وقد جاء صوت عبد الحليم حافظ يغني في الخلفية «بلادي»، وقد أحست أن مصالحها قد تأثرت، وتردد «كل شيء راح.. كل حاجة انتهت».

جمال عبد الناصر

وباعتبار أن فيلم «جمال عبد الناصر» الذي أخرجه أنور قوادري عام 1997، يحكي سيرة الرئيس منذ التحاقه بالكلية الحربية حتى رحيله، فإن الفيلم وقف بالتفاصيل عند خطاب التنحي، وقد استعان المخرج بالكثير من المشاهد التمثيلية إلا أنه جعل الممثل خالد الصاوي الذي جسد الشخصية يتلو الخطاب بصوته، فاختلف الإيقاع تماماً ولم يكن هناك من حل أمامه سوى ذلك باعتبار أننا أمام فيلم روائي.

وفي أثناء المشهد يحدث قطع لنرى أثر ما قاله الرئيس على بعض زملائه من رجال السلطة خاصة ضباط ثورة يوليو، ويتحدث الرئيس أنه بناء على المادة رقم 110 من الدستور المؤقت الصادر في مارس 1964، فقد «كلفت زميلي وصديقي وأخي زكريا محيي الدين أن يتولى رئاسة الجمهورية».

وفي المشهد التالي يدور الحديث بين ناصر وزكريا محيي الدين فيقول له «من حقك أن تتنحى  لكن ليس من حقك أن تضعني مكانك»، فيأتي رد الرئيس «ليس هذا اختيار بل تكليف»، ويعلق زكريا أن «الناس عارفة إنك الوحيد اللي عارف السكة، وإن الناس رافضة الهزيمة»، ويتمتم عبد الناصر: «تصورت أن الشعب حايعلق لي المشنقة». وهكذا يكون الخطاب فاصلاً بين مرحلتين.


أيام السادات

وفي فيلم «أيام السادات»، وباعتبار أننا أمام فيلم عن رئيس آخر فلابد أن نعرف أين كان الرجل الذي كان رئيساً لمجلس الأمة أثناء إلقاء خطاب التنحي، حيث رأينا الرجل يتابع ما تردده الإذاعات العالمية، وهو جالس في بيته مع زوجته جيهان، ويظهر عبد الناصر بوجهه الحقيقي في التلفزيون وسط دهشة السادات.

وهنا يبدو أن عبد الناصر كان يدير الأحداث بشكل فردي، فهو لم يبلغ زكريا محيي الدين بالأمر، لذا كان السادات آخر من يعلم، إذ تلقى الأخبار من الإذاعات العالمية، رغم أنه من المفترض أن يكون مصدراً للأخبار بواقع منصبه.

ويأتي صوت أم كلثوم تغني، مع لقطات تسجيلية لجنود الجيش المصري ينسحبون في سيناء، وسكان مدن السويس  يغادرونها، وكلمات الأغنية تخاطب الرئيس: «أنت الخير.. أنت الصبر على المقصود».


باحب السيما

أما أحداث فيلم «باحب السيما» فتدور في النصف الثاني من الستينيات وبالضبط منتصف عام 1967، وقد جاء خطاب التنحي كنوع من الديكور الزمني للأحداث حول أسرة عدلي المسيحية، ليكون مشهد خطاب التنحي فاصلاً في حياة هذه الأسرة مثلما كان فاصلاً في حياة المصريين، حيث سيموت رب الأسرة بشكل مفاجئ ليترك تفسير لمشهد مفتوحاً.

الفاجومي

في فيلم الفاجومي سيرة ذاتية مأخوذة عن كتاب للشاعر أحمد فؤاد نجم، وحسب الفيلم نظم الشاعر قصيدته «حاحا» وهو يشاهد خطاب التنحي، حيث سمعنا الأغنية وقد تم تلحينها على مشاهد من الجماهير التي خرجت تطالب الزعيم بالعودة.

وفي المشهد أيضاً يأتي لحن «مصر يا أمه يا بهية»، وفي الخلفية تردد أم كلثوم «مصر التي في خاطري» وصور للجنود يسلمون أسلحتهم، كما تخرج زوجة الفاجومي مفزوعة تسأل عما حدث، فيأتي قول مختصر لما يدور حين تعلق الجارة «عبد الناصر اتنكس.. يعني مشي».

    

شارك المقال

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية