من حوالي 4 سنوات بدأت هذه الظاهرة، إلا أنها في آخر عامين أصبحت أكثر انتشارا. لم يعد غريبا أن تسير بين المكتبات، هذه الأيام لتجد حولك الكثير من الكتب بأغلفة متشابهة إلى حدٍ كبير، مدون عليها أسماء كُتاب لم تسمع بهم من قبل.

ظاهرة «الكتاب الشباب» أصبحت أزمة تتفجر من وقت لآخر، خاصة في موسم معرض الكتاب. ففي معرض العام الماضي، حين طُرح كتاب «حبيبتي» لزاب ثروت، انهالت عليه الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ الكثير من روداها في السخرية من كتابته على هاشتاج «ألف كأنك زاب ثروت».

هذا العام، مع طرح وليد ديدا لكتابه الثالث «نيجاتيف» بالتعاون مع خطيبته مريم صقر، والإقبال الشديد عليه من الشباب، وعلى حفلات توقيعه بمعرض الكتاب، أثيرت نفس «الهوجة» عليه، خاصة مع نشر صور لمحتوى الكتاب، والتي أظهرت شكل غريب عن ما اعتدنا عليه من أشكال الأدب.

ينقسم القراء حول طبيعة تلك الكتب. البعض يرى أن هذه الكتب قريبة لقلوب القراء لبساطتها، وآخرون يعتبرونها انتكاسة ثقافية وفكرية.

إقبال ونفور

في الدورة الـ47 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي أقيم نهاية الشهر الماضي، لاقت كتابات الشباب إقبالا كبيرا من القراء، فمثلا دار «دوّن»، تربع على عرش مبيعاتها ديوان «زي الأفلام» للشاعر الشاب محمد إبراهيم، ورواية «سوف أحكي عنك» لأحمد مهني، ورواية «قلوب مضادة للرصاص» لمحمد مجدي، و«علامات الحب السبع» لغادة كريم، و«يا سلمى أنا الآن وحيد» لباسم شرف.

أما دار «رواق»، فتصدرت -كالعادة- رواية «هيبتا» لمحمد صادق قائمة الأعلى مبيعا في معرض الكتاب، تلاها كتاب «فقه الحب» ليوسف زيدان. وكان الداعية الشاب مصطفى حسني حاضرا بكتابه «عيش اللحظة»، الذي اعتلى قائمة مبيعات دار أطلس، تلاه «أوروبا بتوقيت إمبابة» لمحمود ذكي، و«بوكا» لعلي الحلبي، و«التربي» للمياء سعيد.

كما تصدرت كتب «الورقة» لإسلام جاويش، و«التجربة الفكرية لروح أمه» لكيرلس بهجت، و«مانجا وتيمو» لنور مانجا، قائمة مبيعات دار «تويا» للنشر والتوزيع.

فيما شهدت الكتب العلمية والدينية، والمجلدات تراجعا حادا في الإقبال عليهم، وإن كان سور الأزبكية هو الذي شهد رواجا نسبيا، لرخص أسعاره مقارنة بالمكتبات.

اختلاف

أحد القُراء، ورواد المعرض، ومدرس اللغة العربية مجدي حامد، اعتبر أن هذه الظاهرة انحدار في مستوى الثقافة في مصر، باعتبار أن «الأدب وليد البيئة»، وعليه فإن الانحدار الذي يعاني منه المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، على مختلف الأصعدة، انعكس على الإنتاج الأدبي، والإقبال على شراء تلك النوعية من الكتب ما هو إلا «تدني» في الذوق الأدبي.

آخرون تعاملوا مع الأمر باعتباره رواجا ثقافيا وأمرا محمودا حين يقرر الشباب إصدار كتب تحمل أفكارهم أو تجاربهم، خاصة أن كون الكاتب شابًا يدعو الشباب لشراء تلك الكتب، باعتبارها تشبههم وتعبر عن أفكارهم.

تلقائية وبسيطة

إسراء فكري، قرأت أحد كتب وليد ديدا، وقالت إن الغلاف كان واضحًا بخصوص ما يحتويه الكتاب، «ده مش شعر دي خواطر»، مؤكدة أن من يتعامل مع الكتاب باعتباره «شعر أو كلام متستف» لن يُكمله، أما من يترك نفسه لمحتوى الكتاب، سيجده «أبسط من البساطة ذات نفسها».

وأضافت أن الكتاب أعجبها بشدة، وكان كافيا أن يفصلها عما حولها، خاصة أنه لا يحكي عن شيء واحد، وإنما «هو عبارة عن خواطر فينا وبتدور حولينا كمان»، خاصة أنه «لا يتقمص دورا ليس دوره، وإنما تلقائيته جعلتني أحب جميع الخواطر، ووجود شخص بهذا الصدق أمر يدعو للسعادة».

القاريء محمد جعفر، رفع شعار «دعه يكتب.. دعه يمر»، من يريد أن يكتب فليفعل. يبرر نظريته قائلا: «عاما 2003 و2004 شهدا ثورة كلامية على نبيل فاروق مؤلف سلسلة ‏رجل المستحيل؛ حين هاجم الجميع تخطي مبيعاته حاجز المليون ونصف نسخة سنويًا، مقابل 3 آلاف نسخة فقط لرائد الأدب نجيب محفوظ».

القضية في تكرار مستمر، كما يرى محمد، «طول ما المصريين بيتعاملوا مع الثقافة على إنها ترف»، قائلا: «حنابلة الأدب، وكنت واحدا منهم، لا يؤمنون بتراكمية الوعي، ويطالبون بجلد القاريء، دون تفرقة بين قاريء حقيقي- وهم كثر- وبين مراهقين ومراهقات السوشيال ميديا الذين أصابهم طائف من حب ما تحول لكتابة».

وأضاف أن مراهقي السوشيال ميديا منهم من سيعبر من حالة «النبيل فاروقيين» إلى «النجيب محفوظيين» خلال 5 سنوات أو أقل قليلا، ومنهم من سيكتفي «بالصورة السيلفي والتوقيع».

أما المشكلة الحقيقية في رأي محمد تتخطى تلك النوعية من الكتب، وتمتد إلى حدود أخرى، كانتشار الروايات التي تقوم على أحداث خارجة عن تقاليد المجتمع المصري، وغياب القصائد الفصحى، واندثار القصة القصيرة وأدب الأطفال.

تدمّر الذوق العام

على النقيض، جاءت آراء بعض الكتاب حادة، مثل أحمد عرابي الذي وصف ما يحدث بأنه «عيب»، معتبرا تلك النوعية من المؤلفات لا تدخل ضمن فئة الكتب، وإنما هي عملية «نصب واستغفال» للقاريء.

«احنا بقينا متصدرين في كل حاجة سيئة» هكذا يرى أحمد، مضيفا: «نعتبر من أكثر الدول استهلاكا للورق، إلا أنك تجد تلك النوعية من الكتب تتصدر المشهد الثقافي»، متسائلا: «هي الكتابة بقت بالسهولة دي؟».

وأضاف أن أغلب تلك الكتابات لا تصلح للنشر، ويكفي أن تكون مذكرات شخصية يحتفظ بها صاحبها، وتحولت إلى «متاجرة بمشاعر القراء».

القاريء محمد عبدالله وصف هذه الكتب بـ«المبتذلة» معتبرها سببا أساسيا في دمار ورداءة الذوق العام لدى بعض الشباب حديثي العهد بالقراءة، ملقيا اللوم على دور النشر، التي تنشر هذه الكتب.

إلا أن دور النشر ليست المتهم الوحيد في انتشار هذه الكتب في رأي محمد، وإنما يُشاركها وجود فئة من «المراهقين والمنافقين» الذي يتعاطفون ويساعدون «هذا الهراء يطفح علينا ويلوث أبصارنا وجيوبنا».

واختتم محمد قوله قائلا: «صدق نيتشة حين قال: لابد من كاتب رديء باستمرار، وذلك لأنه يُشبِع ذوق الأجيال الشابّة التي لم تتطوَّر بعد، ولهذه الأجيال حاجات كما الآخرين تماما. هناك دوما غالبية من العقول المتخلّفة ذات الذوق الرديء، هذه العقول تطالب وبكل عنف الشباب، بإرضاء وإشباع حاجاتها وتسبب بوجود كُتَّاب رديئين مخصصين لها».

القاريء محمد إيهاب يقول إن: «الناس مشغولة بوليد ديدا وغيره ومش عارف أيه، هي هاتبقى مراهقة في القراية ومراهقة في الكتابة، ومراهقة كمان في النقد!».

شطارة كاتب

رئيس تحرير مجلة «أدب ونقد»، المرموقة، عيد عبدالحليم يرى أن إرتباط القراء الشباب بأمثالهم من الكتاب الشباب يدخل بها جانب شخصي، ويرتبط بـ«شطارة» الكتاب الشباب، وقدرتهم على الترويج لأنفسهم على شبكة الإنترنت، مشيرا أن هناك تجارب جديدة في مجال النشر والتنوع وكثافة حفلات توقيع.

أما الدار التي اشتهرت بالنشر لكتاب شباب، دار «ن» فيقول مديرها حسام حسين إن الدار تشجع الشباب في أول أعمالهم وتعطيهم الألولوية والفرصة؛ حتى لو لم تكن كتاباتهم تروق للوسط الثقافي والنقاد، المهم أن تكون لدى الكاتب موهبة وحاسة.

وأكد حسين أن على دار النشر أن تساند الشباب؛ باعتبار ظروفهم عادة ما تكون صعبة وأغلبهم لا يتحمل تكلفة النشر على حسابهم، وأن تلك المواهب لا يمكن خسارتها، قائلا: «علينا أن نرعى المواهب قبل أن تموت، ونخاطر من أجل أن تخرج للنور»، مشيرا أن هناك إصدارات لكتاب كبار تفشل، لأن الأمر في النهاية يتوقف على رؤية المتلقي.

مسخ على الورق

إسلام جمال، أحد مشاهير الفيس بوك، نشر مسبقًا رأيه في ظاهرة نشر مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي كتبًا، قال: «في ناس عندها كام ألف فولور وعملت كتب وفيه ناس هتعمل كتب جاية في الطريق، وبينزلوا معارض كتاب وبيكسبوا آلاف على قفا الناس دي.. ولما تفتح وتقرا تلاقي مسخ على ورق».

وأشار إسلام إلى أنه تلقى عرضا أن يُصدر كتابًا إلا أنه رفض، وبرر رفضه قائلًا: «أنا مين وإيه المؤهلات الأدبية اللي تخليني اكتب 250 صفحة عشان أكسب 40 ألف في كام شهر مثلا! مع إني متأكد لو كتبت أي هري هكسب عادي والناس تشتري وتتصور ومن جوايا عارف إني ضحكت على مغفلين».

أما عن إقبال الشباب على شراء تلك النوعية من الكتب، قال إسلام: «الموضوع كله بيرجع للجمهور، الجمهور اللي بيدخل فيلم عمر وسلمى وبيسيب فيلم زي فتاه المصنع، الجمهور اللي بيقدر يشتري كتاب فيه حروف هبلة من جوا وبيسيب كتب علمية وتاريخية مهمة على الأرفف. الجمهور هو اللي بينجح كل حاجة، واللي مخلي كاتب لا يملك الأسلحة الأدبية واللغوية يقول أنا ناجح لأني حققت 10 طبعات».

واختتم إسلام قائلا: «احنا منقدرش نلوم السبكي ولا الكاتب، احنا نعاتب الجمهور العريض اللي بيشيلهم فوق وبيخلي الناس اللي بتنتقدهم أصواتهم مش مسموعة تحت».

حبل المشنقة

من جهته، قال وليد ديدا، في تعليق له على الهجوم الذي تعرض له مؤخرا، إن منتقدي أعماله ليسوا سوى أعداء النجاح، مشيرا أن الأمر يتكرر كل عام ومع أكثر من كاتب، قائلا: «هذه الانتقادات طالت زاب ثروت، وسوف تطول غيره، فهي ضريبة النجاح».

وعن محتوى كتبه، قال «ديدا» إنها مجرد خواطر، كما هو موضح على أغلفتها، مؤكدا أنه ليس شاعر، «أنا كل اللي بحاول أعمله إني أخرّج أي حاجة بحس بيها على ورق، أنا بكتب بقالي 4 سنين وبعترف جدا إني بكتب على قدي».

وأضاف «ديدا» أنه حين عُرض عليه كتاب ‫‏«روبابيكيا» كأول كتاب له، «يمكن أنا ساعتها من الفرحة أن يبقالي كتاب ماخترتش الكلام اللي يبقى موجود فيه بعناية»، مشيرا أنه حاول تطوير نفسه في كتابه الثاني «مشوش»، إلا أنه تعرض لهجوم كبير أيضا «في ناس شايفة أنه إسفاف وإني مينفعش أعمل كتاب بالكلام ده، المفروض الناس تراعي أن بقى فيه تطور ولو قليل في كتابتي، وإني بحاول على قد ما أقدر أراعي الذوق العام».

واختتم «ديدا» كلامه قائلا: «للأسف احنا في مجتمع بيحب يشوف الغلطة ويجري وراها عشان يعلقلها حبل المشنقة مش يعالجها، مش هعرف أبطل اكتب، بس على قد ما أقدر بحاول أطور من نفسي وإسلوبي عشان الذوق العام، ومعنديش أي مشكلة إني أخد ورش كتابة لو حد يحب ينصحني بده».



0
0
0
0
0
0
0