التاريخ: الثلاثاء 19 فبراير 2002، الموافق 7 ذي الحجة.. المكان: محطة مصر برمسيس

التوقيت: الحادية عشر ليلا

يستعد القطار المتهالك لرحلته الشاقة والطويلة، من قلب العاصمة إلى أقصى جنوب مصر، في رحلة تزيد عن 16 ساعة. القطار ممتلئ عن آخره.. عيد الأضحى على بعد أيام قليلة.. جميع أبناء الصعيد العاملين بالقاهرة بدأوا رحلتهم إلى مدنهم وقراهم بالصعيد.. ميسورو الحال اتخذوا وسائل أكثر راحة وأعلى ثمنا.. فيما اتجه متوسطي الحال لاستقلال قطار من الدرجة الثالثة.. قطار 832.

التوقيت: الحادية عشر والنصف ليلا

بدأ القطار رحلته الطويلة.. تحرك في البداية ببطئ.. ثم بدأ يلتهم الطريق أمامه في ظلام الليل، الذي أوشك أن ينتصف.. درجة الحرارة منخفضة للغاية في هذا الوقت من العام، الركاب يتدثرون بملابسهم الصوفية الثقيلة، أو بسترات جلدية، أو بأغطية اصطحبوها معهم اتقاءً لبرد الليل القارس.. الباعة يسيرون في الممرات المزدحمة بصعوبة.. يشقون طريقهم بين الأجساد ويرفعون أصواتهم بالنداء.. «شاي سخن».. تمر الساعات والقطار يواصل طريقه.. البعض غط في نوم عميق.. إرهاق السفر يكفي..

التوقيت: الواحدة من صباح الأربعاء 20 فبراير

للتو غادر قطار الصعيد مدينة العياط بالجيزة، متجها إلى محطته التالية، بالقرب من قرية «ميت القائد» اندلعت النيران.. بدأت صغيرة في آخر عربة بالقطار.. كان الأمر مفاجئا.. نيران تندلع بعربة قطار أثناء سيره وحيدا بعد منتصف الليل في إحدى ليالي فبراير الباردة.. القطار نفسه مُنهك مثل ركابه.. من كان نائما استيقظ، ومن كان متدثرا أزال عنه غطائه سعيا لإخماد النيران.. ولا فائدة..

هلع.. زعر.. صرخات مستغيثة تخرج من الحناجر ولا تجد لها مُجيب.. النيران تنتشر بسرعة مُخيفة.. تلتهم في طريقها كل ما يقابلها من أمتعة المسافرين، أو مقاعد القطار المُهترئة، أو حتى أجساد الركاب أنفسهم.. تأخذ منهم زادا لها كي تستعر أكثر وأكثر.. تمتد النيران بسرعة من عربة إلى أخرى.. غريزة حب البقاء طغت على الجميع.. النوافذ والأبواب هي الملاذ الأخير، حتى وإن كان القفز منها يعني الموت أيضا.. ولكنه أكثر رحمة من الموت مُحترقا..

العربة مزودة بأربعة أبواب فقط، اثنين في بدايتها ومثلهما في نهايتها.. العدد لا يكفي لهرب جميع الركاب.. يحاول بعضهم القفز من النوافذ.. ولكنها أيضا مزودة بقضبان حديدية تعيق خروج أجسادهم.. أتمت النيران عملها في العربة الأولى بنجاح، واستمرت في طريقها لحصد الأرواح بالعربة التالية.. فالتالية.. حتى التهمت 7 عربات كاملين..

السائق في ملكوت آخر، لا يرى سوى الطريق المنبسط أمامه على ضوء خافت ينبعث من أعمدة الطريق، حتى القمر كان ضوءه يصل بصعوبة في تلك الليلة من العشر الأوائل بالشهر العربي.. وأخيرا استفاق السائق وأدرك ما يدور بمؤخرة قطاره.. النيران أتت على نصف قطاره، وفي طريقها للنصف الآخر.. فقرر فصل ما بقي سليما من قطاره واستمر في قياده القطار هربا من كارثة أكبر، الله وحده يعلم مداها..

كارثة غير مسبوقة

وأخيرا وصلت قوات الإنقاذ إلى موقع الحادث.. مشاهد مُرعبة، جثث متفحمة.. البعض حاول الهرب من النيران فقفز وسقط في ترعة قريبة ومات بها غرقا.. أو سقط تحت عجلات القطار.. آخرون أفزعتهم النيران، حاولوا الهرب لعربة أخرى حتى تكومت أجسادهم فوق بعضها بين العربتين وظلوا عالقين إلى أن ماتوا.. إما اختناقا أو احترقوا.. آخرون ألجمتهم الصدمة ولم يسعهم الوقت والتزاحم أن يبرحوا مقاعدهم حتى ماتوا عليها.. والحصيلة النهائية.. وفاة 361 من ركاب القطار.. في كارثة هي الأولى من نوعها في تاريخ سكك الحديد المصرية..

عمال الإنقاذ والناجون من الحادث يروون أهوالا لا تُصدق.. جثث تفحمت حتى زالت معالهما واستحال التعرف على أصحابها، آخرون احترقوا حتى لم يتبق منهم سوى عظامهم.. البعض كان حظهم أكثر سوءا وانفجرت جماجمهم لشدة اللهب..

المسؤولون

حينها، كان الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في أوج قوته.. وحين علّق على الحادث.. قال ما يُعتاد قوله في مثل تلك الكوارث.. أن من أخطأ سيُحاسب، معبرا عن بالغ حزنه، ومقدما تعازيه لأهالي الضحايا، آمرا بسرعة التحقيق في الحادث للوقوف على سببه.. وإن لم تَطل التحقيقات كثيرا.. فبعد ساعات.. وفي ظهر نفس يوم الحادث.. توجه رئيس الوزراء وقتها، عاطف عبيد؛ لزيارة موقع الحادث..

في أول تصريح له، بعد ساعات قليلة على الحادث، خرج عبيد ليؤكد أن الحادث لم يقع نتيجة لخلل فني في القطار، وإنما نتج عن انفجار أسطوانة غاز كان يستخدمها أحد الركاب أو الباعة لتحضير الشاي أو تسخين الطعام.. مؤكدا أن القطار لا يعاني من أي عيوب فنية، ولا يوجد ما يدل على وجود أي نوع من التقصير في إجراءات السلامة. قرارات اعتيادية وفي قرار سريع ورحيم وشديد الرأفة.. قررت الحكومة التالي: - صرف تعويضات لأهالي الضحايا والمصابين كالتالي.. من مات يُصرف لأهله 3 آلاف جنيه.. ومن أصيب فقط يُصرف له ألف جنيه - تقديم 11 مسؤولا بهيئة السكك الحديدية للمحاكمة بتهمة الإهمال والتسبب في وفاة 361 مواطنا بالخطأ، وإلحاق ضرر جسيم بأموال الهيئة. - إقالة وزير النقل والمواصلات إبراهيم الدميري من منصبه براءة والفاعل مجهول بعد حين، أصدرت المحكمة حكمها ببراءة الـ11 متهم، مما نُسب إليهم من تهم، لتظل القضية مُقيدة ضد مجهول.. وما زال من تسبب في مقتل 361 مواطن مصري حرقا في قطار الصعيد مجهولا.. حتى بعد مرور 16 عاما على الحادث.




0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


صحفية مصرية