«أستطيع القول إنني أخذت من السينما بقدر ما أعطيتها»، هكذا تحدث المخرج المصري يوسف شاهين عن محبوبته «السينما»، تلك التي أعطاها من روحه وتفكيره ووقته لكي يضيف إليها 40 فيلما سينمائيا جمعتهم صفة «العبقرية».

الحدوتة:

تنوعت الحكايات التي تم تناولتها أفلام يوسف شاهين، فلم تنتمي إلى تصنيف بعينه يلصق صفة «النمطية» بأفلامه السينمائية؛ حيث انتمى أول فيلم أخرجه إلى فئة الفنتازيا، وهو «بابا أمين» من إنتاج عام 1950، وكان بعضها رومانسي كوميدي مثل «أنت حبيبي» من إنتاج عام 1957، و«بين إيديك» من إنتاج عام 1960.

وناقشت مجموعة منها أزمة الصراع الطبقي مثل أفلام «صراع في الوادي»، من إنتاج عام 1954، و«الأرض»، من إنتاج عام 1970، و«عودة الابن الضال»، من إنتاج عام 1976، وغلبت صفة الوطنية على بعضها مثلما حدث في أفلام «جميلة»، من إنتاج عام 1958، و«الوداع يا بونابرت»، من إنتاج عام 1985، وتناولت أخرى الأزمات النفسية مثل أفلام «باب الحديد»، من إنتاج عام 1958، و«الاختيار»، من إنتاج عام 1971، و«فجر يوم جديد» من إنتاج عام 1965.

كما تميزت أربعة أفلام أخرجها «شاهين» بكونها عكست الواقع من خلال سيرته الذاتية، وهم «إسكندرية ليه؟»، من إنتاج عام 1979، و«حدوتة مصرية»، من إنتاج عام 1982، و«إسكندرية كمان وكمان»، من إنتاج عام 1990، و«إسكندرية نيويورك»، من إنتاج عام 2004.

التفكير أولا قبل المتعة

وبالرغم من تنوع مواضيع أفلام «شاهين»، إلا أن أغلبها اشترك في كونها أفلام يحتل فيها التفكير المرتبة الأولى قبل المتعة، فهي دائما ما تطرح أسئلة بدون إجابات لتترك المشاهد حائرا، مشغول عقله بها؛ ما يجعله يوسع مداركه عن طريق البحث والقراءة ومعرفة المزيد عما شاهدته عيناه، الأمر الذي جعل البعض يصف أفلام «شاهين» بكونها «غامضة»، وخاصة إذا كان الفيلم الواحد يحتوي على جرعة مكثفة من الأفكار تجعل المشاهد لها دائم التركيز.

كما أن «شاهين» تمرد عن النمطية في تناول الشخصيات، والتي تجعل بعضها يميل إلى عمل الخير فقط، مقابل البعض الآخر الذي يميل إلى الشر فقط، فظهرت شخصيات معظم أفلامه السينمائية بذلك الخليط الطبيعي للإنسان بين الخير والشر.

شاهين مؤلفا

وشارك شاهين في كتابة بعض الأفلام التي أخرجها، فألف أول أفلامه «بابا أمين»، وكتب السيناريو لبعض أفلامه مثل: «المهرج الكبير» من إنتاج عام 1952، و«صراع في الميناء» من إنتاج عام 1956، و«النيل والحياة» من إنتاج عام 1968، والسيناريو والحوار لأفلام أخرى مثل: «إسكندرية كمان وكمان»، وفيلم «المهاجر» من إنتاج 1994، وفيلم «الوداع يا بونابرت»، والقصة والسيناريو والحوار لفيلم «المصير» من إنتاج عام 1997.

الدين

حرص «شاهين» دائما على ظهور رموز دينية بأفلامه السينمائية، واعتبرها طاقة روحانية تعزز من التفاؤل، وتدفع بدورها نحو مستقبل أفضل. فمثلا في فيلم «الناصر صلاح الدين» من إنتاج عام 1963، تظهر أضواء الكنيسة في مشهد ملحمي، بجانب مشهد النهاية الذي اعتلي فيه «صلاح الدين» حصانه فوق رابية، رافعا يده ليشكر ربه على النصر.

الأسلوب الإخراجي

لأن بداية دخوله مجال السينما كان من خلال عمله كمساعد للمصور السينمائي «ألفيز أورفانالي»، أعطى «شاهين» اهتماما كبيرا للشكل التي تظهر به الصور السينمائية، لتصبح أغلب الكادرات السينمائية التي قام بإخراجها في أفلامه بمثابة لوحات فن تشكيلي فائقة الجمال. واستطاع أن بيرز جمال تلك اللقطات من خلال عدة عناصر بصرية، منها:

تكوين عمق للمشاهد:

برع «شاهين» في تكوين عمق للمشاهد السينمائية من خلال إتقانه لوضع عناصر قريبة للكاميرا، من أشخاص تتحرك بخطوات معينة أو أشياء تتحرك الكاميرا لتبرزها، وعناصر أخرى بعيدة عن الكاميرا تخلق خلفية لتلك العناصر الأولى.

اختيار أماكن التصوير:

وحرص «شاهين» على اختيار أماكن تصوير حقيقية لأنها الأقرب لنقل الحكايات التي يناقشها أمام الكاميرا، فمثلا في فيلم «رجل في حياتي»، من إنتاج عام 1961، ذهب طاقم العمل بالكامل إلى منطقة أبو قير بالاسكندرية ومكث الجميع هناك بهدف إجراء المعايشة اللازمة للتعود على المكان، ثم التصوير بداخله.

إدارة المجاميع:

وكذلك أجاد «جو» فن إدارة المجاميع، التي ساعدته على تكوين عمق للمشاهد السينمائية، واتضحت احترافيته في ذلك بمشاهد المعارك في أفلامه «الناصر صلاح الدين»، وفيلم «رمال من ذهب» من إنتاج عام 1971، وأفلام «الوداع يا بونابرت» و«المهاجر» و«المصير».

كما ظهرت بوضوح في الأغاني والاستعراضات الغنائية الراقصة بأفلامه، مثل أغنية «الشارع لنا» من فيلم «عودة الابن الضال»، وأغنية «علي صوتك» من فيلم «المصير».

حركة الكاميرا:

وتعتبر حركة الكاميرا من أهم الوسائل التي ساعدت «شاهين» على تكوين عمق للمشاهد السينمائية، وخاصة التقريب للأمام أو للخلف «الزووم»، وتحريك الكاميرا إلى اليمين واليسار «البان»، والتي كثر استخدامهما في أفلامه السينمائية.

المشاهد خالية القطع:

وساعده استخدام حركات كاميرا مختلفة على عمل مشاهد خالية القطع، تتنوع بها الأحجام والزوايا، دون تكرار القطع بينهم بواسطة المونتاج، لتخلق إيقاعا ثابتا تكون نتيجته مشهد مسرحي متكامل العناصر.

 

اللقطات البعيدة:

واهتم «شاهين» بتصوير لقطات بعيدة تظهر علاقة الممثلين بالمكان من حولهم، ولكي تظهر في أفضل طريقة، جمع تفاصيل عدة ليضعها بداخل الكادر السينمائي، من عناصر قريبة للكاميرا وأخرى بعيدة عنها، وأشياء لها علاقة قوية بالمشهد من جماد أو حيوان، وحركات جسد مختلفة للممثلين، ورموز تعبر عما يشعر به أبطال المشهد.

وكان يكثر من استخدام تلك اللقطات لكي تعطي المشاهد حرية اختيار ما يريد أن يركز عليه بداخل الكادر.

الرمزية:

وتواجدت الرمزية كذلك في أفلام عبقري الإخراج السينمائي، وظهر أبرزها في استخدام أشياء لها علاقة بالمشهد، من جماد أو كتابات على الحوائط، مثل دفة المركب في مشهد يتحدث فيه «محمود» (عزت العلايلي) عن البحر في فيلم «الاختيار»، قائلا إنه «آخر ملاذ من حمورية الناس»، أو كلمة «الثأر لبحر البقر» المكتوبة على حائط خلف «علي»، أو «أحمد محرز»، في الوقت الذي يواجهه فيه «حسونة» قائلا: «بتفكر إزاي تنتقم من اللي تعبوك ورفضوك في وسطهم»، وذلك ضمن أحداث فيلم «عودة الابن الضال»، وتصويره لتمثال الحرية كأنه امرأة لعوب تغمز وتضحك بأسنان بها فلقة، معبرا عن وهم الحلم الأمريكي في فيلم «إسكندرية ليه؟».

نظرات العين:

في مدرسة شاهين الإخراجية، تحتل «نظرة العين» المرتبة الأولى في القدرة على التعبير عن المشاعر والحالات الإنسانية المختلفة. فالأهم عنده في علاقته بينه وبين الممثل هو قدرة الأخير على توصيل ما يشعر به باستخدام ملامح مجهه، وخاصة عينه فقط، وهو ما برع فيه العملاق محمود المليجي.

ومن خلال اللقطات المقربة والمقربة جدا، استطاع «شاهين» أن يبرز ذلك أمام الكاميرا.

 الإضاءة:

يعد شاهين من أهم المخرجين السينمائيين الذين أتقنوا استخدام الإضاءة في عالم السينما، لتناسب الحالات النفسية للممثلين وتبرز مشاعرهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، تعمل كعنصر جمال لن تكتمل روعة الصورة بدونه.

كما أنه احترف تلوين الإضاءة لعمل مشاهد يظهر فيها الممثلون في أجسام سوداء دون أن تتضح ملامحهم؛ حيث تكون الخلفية ملونة، ما يعرف بـ«السلويت». فبالرغم من إبداع المخرج حسين كمال لكي يصنع تلك المشاهد أثناء غناء عبد الحليم حافظ «أحضان الحبايب» في فيلم أبي فوق الشجرة، من إنتاج عام 1969، إلا أن «شاهين» استطاع أن يطور من ذلك التكنيك الفني، ليصبح واحدا من أكثر العناصر التي تميز أفلامه عن غيره.

نهايات ملحمية:

وتميزت نهايات أغلب الأفلام التي أخرجها «شاهين» بأنها ذات الطابع الملحمي، لتظل محفورة في الذاكرة كأنها مشاهد مسرحية شديدة القوة. ففي فيلم «صراع في الوادي»، تشهد تماثيل الأجداد على المأساة التي يعيشها الأحفاد، وفي فيلم «باب الحديد»، تشهد جميع عيون المتفرجين على لحظات ذروة جنون «قناوي»، والذي قام بتجسيده يوسف شاهين نفسه.


وينتهي فيلم «عودة الابن الضال» بمأساة المذبحة العائلية، في الوقت الذي يسافر فيه الشابان باتجاه قرص الشمس، متطلعين إلى مستقبلهما.

أما في فيلم «الأرض»، فينتهي بالمشهد الشهير الذي يروي فيه «محمد أبو سويلم» (محمود المليجي) حقول القطن بدمائه.

وفي نهاية مشابهة لفيلم «باب الحديد»، ينتهي فيلم الاختيار بمشاهدة الجموع لجنون عزت العلايلي.

الغناء والرقص

وجّه «جو» اهتماما كبيرا نحو الأغاني والاستعراضات الراقصة في أفلامه السينمائية لتظهر بالشكل الذي يخدم الموقف الذي يتم تناوله أمام الكاميرا، ويعد الشاعر صلاح جاهين هو أكثر من ساعده على إبراز تلك الفكرة، ما جعل بعض أفلام «شاهين» تبدو كأنها أفلام موسيقية مكتملة العناصر، مثل فيلم «عودة الابن الضال».

ودفعه اهتمامه بعنصر الغناء بأفلامه إلى إسناد أدوار هامة لمطربين لم يسبق لهم تجربة التمثيل السينمائي، وبفضل رؤيته السينمائية، نجحوا في أداء تلك الأدوار، مثل المطربة اللبنانية «فيروز» التي قامت بأداء شخصية «ريما» في فيلم «بياع الخواتم» من إنتاج عام 1965، والمطربة اللبنانية «ماجدة الرومي» التي جسدت شخصية «تفيدة» في فيلم «عودة الابن الضال»، والمطربة المصرية/ الإيطالية «داليدا» التي جسدت شخصية «صديقة» في فيلم «اليوم السادس» من إنتاج عام 1986، في ثاني تجربة سينمائية لها بعد فيلم «سيجارة وكاس» من إنتاج عام 1955، والمطرب «محمد منير» الذي ظهر في أفلامه «حدوتة مصرية» و«اليوم السادس» و«المصير»، والمطربة التونسية «لطيفة» التي جسدت شخصية «ملك» في فيلم «سكوت ح نصور» من إنتاج عام 2001.

مكتشف الوجوه الجديدة:

ويرجع الفضل إلى «شاهين» في اكتشاف مواهب تمثيلية جديدة مثل عمر الشريف الذي قدمه في أول أدواره بفيلم «صراع في الوادي»، وهاني سلامة الذي قدمه في أول أدواره في فيلم «المصير»، ثم في فيلم «الآخر» من إنتاج عام 1999.

دويتوهات فنية:

وكوّن «جو» ثنائيات فنية مع بعض الفنانين، ليقدموا للسينما المصرية مجموعة من أجمل الأفلام:

محمود المليجي

اعتبر «شاهين» محمود المليجي ممثلا عبقريا بجميع المقاييس، وكان أكثر الممثلين احترافية في التعبير بلغة العيون أمام الكاميرا، بشكل يبهر «شاهين»، فظهر «المليجي» في أفلام «جو»: «ابن النيل» من إنتاج عام 1951، و«جميلة»، وفيلم «حب إلى الأبد» من إنتاج عام 1959، وأفلام «الناصر صلاح الدين»، و«الأرض»، و«الاختيار»، وفيلمي «العصفور»، و«الناس والنيل» (من إنتاج عام 1972)، وأفلام «عودة الابن الضال»، و«إسكندرية ليه»، و«حدوتة مصرية».

5 أفلام لكلا من فاتن حمامة وشكري سرحان

كما ظهرت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة في خمسة أفلام أخرجها «شاهين»، وهم: «بابا أمين» و«ابن النيل» و«المهرج الكبير» و«صراع في الوادي» و«صراع في الميناء». ومثل «فاتن»، ظهر الفنان شكري سرحان في خمسة أفلام أيضا من إخراج «شاهين»، وهم: «ابن النيل»، وفيلم «نداء العشاق» من إنتاج عام 1960، وأفلام «بين إيديك» و«رجل في حياتي» و«عودة الابن الضال».

هدى سلطان

ولم يقل نصيب الفنانة هدى سلطان عن «فاتن» أو «سرحان»، فظهرت أيضا في خمسة أفلام من إخراج «شاهين»، وهم: «نساء بلا رجال» من إنتاج عام 1953، وأفلام «الاختيار» و«عودة الابن الضال» و«الوداع يا بونابرت» و«اسكندرية كمان وكمان».

محسن محيي الدين

وتبنى «يوسف شاهين» الفنان محسن محيي الدين سينمائيا، فظهر معه في أربعة أفلام هم: «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» و«الوداع يا بونابرت» و«اليوم السادس».

يسرا

وفي أربعة أفلام من إخراج «شاهين» أيضا، أطلت الفنانة يسرا في «حدوتة مصرية» و«إسكندرية كمان وكمان» و«المهاجر» و«إسكندرية نيويورك».

يوسف شاهين مخرج مصري من مواليد محافظة الإسكندرية عام 1926، وبعد تخرجه من جامعة الإسكندرية، سافر إلى معهد باسادينا بالولايات المتحدة الأمريكية لدراسة فنون التمثيل بالمسرح، وعندما عاد إلى القاهرة تحول إلى الإخراج وقدم إلى السينما المصرية حوالي 40 فيلما تميزت بالاختلاف لدرجة تصل إلى العبقرية.



0
1
0
0
0
0
0

شارك المقال


صحفية مهتمة بمجال الفنون والثقافة.. تهوى الكتابة عن السينما والأفلام، بجانب كتابة سيناريوهات أفلام واسكتشات وقصص قصيرة.