ألا فاسقِني خمراً، وقل لي: هيَ الخمرُ،   ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ

فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة ٍ،      فإن طال هذا عندَهُ قَـصُــرَ الـدهــرُ

المشروبات الكحولية أو المشروبات الروحية هي التي تحتوي على نسبة معينة من الكحول وتكون مخمرة مثل البيرة، أو مقطرة مثل الويسكي، سواء كان مصدرها الفواكه، مثل العنب، والتمر، والزبيب، والتفاح، والإجاص، والعسل، والحنطة، وغيرها.

تم استهلاك الكحول بصورة شائعة في عصور ما قبل التاريخ، من قبل العديد من الشعوب حول العالم، كجزء من الطعام اليومي، وارتبط بحضاراتها، كما استخدم من أجل النظافة، أو لأسباب طبية، بالإضافة إلى آثاره المهدئة.

ووُجدت أواني حجرية بها أثار للنبيذ تعود لعام 5400 قبل الميلاد بين جورجيا وأرمينيا وإيران.

لماذا تسمي بالمشروبات الروحية؟

المادة المقطرة المساهمة في المشروبات الروحية اخترعت لأول مرة في الشرق الأوسط وتحديدا في إيران، وكان الكيميائيون يقطرون الفواكه التي تصنع منها الخمور، وأطلق على البخار الناتج عن عملية التقطير تلك «الروح»، ومن هنا يعتقد أن التسمية الأولى جاءت.

وفي القرون المظلمة، اعتاد الأوروبيون على تسميتها المشروبات الروحية لاعتقادهم بأنها تساعدهم على التواصل مع أرواح أجدادهم والآلهة. وانتقل المسمى إلى أمريكا الشمالية بعد ذلك. واستخدمت بكثرة في طقوس تحضير الأرواح.

عند تعاطي الكحول تتوقف أعضائك الحسية، ويتم تفعيل الجانب الروحي والمعنوي، والتواصل الروحي مع الآخرين، لذا يعتقد معظم من يشربون الخمر أنهم في عالم آخر غير العالم الذي يعيشون فيه.

كما أنها أيضا تعطي فرصة لملوثات الروح؛ كالحزن، والغضب، والاكتئاب للخروج من الجسد، حتى تصبح الروح حرة، فالشارب من الممكن أن يقوم بالرقص عاريا أمام الناس، ولا يعبأ بهم، فهو في حالة بعيدة عن كل ما يحيط به.

وفي الأدب الشعبي العربي، في الليلة 815، من قصص «ألف ليلة وليلة»، عرض ابن لأحد التجار على الوزير نور الدين أن يتجرع كأسا من الخمر ليبتهجوا في هذه الليلة، فأجابه نور الدين أن هذا المشروب فيه إثم كبير ثم أنه مر، فرد عليه ابن التاجر بقوله:

« يا سيدي نور الدين لولا أنه مرٌ ما كانت فيه هذه المنافع ألم تعلم أن كل حلوٍ إذا أكل على سبيل التداوي يجده الآكل مراً وإن هذه الخمر منافعها كثيرةٌ فمن جملة منافعها أنها تهضم الطعام، وتصرف الهم والغم، وتزيل الأرياح، وتروق الدم، وتصفي اللون، وتنعش البدن، وتشجع الجبان، وتقوي همة الرجل على الجماع، ولو ذكرنا منافعها كلها لطال علينا شرح ذلك».

من منافعها التي ذكرت هنا دأب كثيرون على تسميتها بالمشروبات الروحية.

ويقول مدير جامعة السودان المفتوحة للتربية الدكتور السوداني محمد حسن سنادة إن تسمية المشروبات الكحولية بالروحية، جاءت في الأساس من أجل الإقناع بأنها ليست حراما أو بها ضرر.

ووفقا للحديث الذي صححه الألباني قال رسول الله «ص»: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ».

الخمر في الأديان والميثولوجيا

حرّمت في بعضها، وحللت في بعضها، فاليهودية على سبيل المثال تعتبر الخمر الناتج عن الأرض المقدسة جزءا من الغذاء اليومي للشعب اليهودي.

التوراة حثت عليه

اعتبرت التوراة أن الخمر الناتج من الأرض المقدسة، من طقوس الغذاء عند الشعب اليهودي مع القمح والزيت، وجاء في التوراة في سفر التثنية «8 :8 ،11؛ أيام أول 12 :41» لأنه «يُفرح قلب الإنسان»، «مزمور 104 :15، قضاة 9 :13».

وتؤكد التقاليد العبرانية أن للخمر طابعين أحدهما يفيد والآخر يضر، فهو يعد من الخيرات المعتبرة، إذ يجعل للحياة بهجة «تلمود: سيراخ 32 :6، 4 :20» على أن يكون تناوله في اعتدال، وهذا ما يدخل في مجال التوازن الإنساني، واعتبرته من خيرات الله.

أو كما قال ابن إدريس «إشرب ما لا يشربك».

المسيحية كذلك لم تحرمه

واستخدم في أغراض طبية ودينية، في الطب لتطهير الجروح وفي الأغراض الدينية في الهيكل، وورد على لسان بولس الرسول عندما قال لتلميذه تيموثاوس: «استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة».

لكنها أيضا أوصت بالاعتدال فيها، فليس كل سكير حكيم.

الأديان والحضارات الأخرى

لعب النبيذ دورا مهما في الدين منذ العصور القديمة - اليونانية والرومانية بجانب الطقوس الكاثوليكية واليهودية التي ذكرناها- وقد أوضحت الأدلة الأثرية على أنه تم تدجين شجرة العنب في أوائل العصر البرونزي قرب مواقع في سومر، وبلاد النهرين، ومصر القديمة، في حوالي الألف الثالث قبل الميلاد.

وأقدم قانون حول شرب الكحول وأماكن الشرب جاء في شريعة الملك البابلي حمورابي. وتعتبر شريعة حامورابي أقدم شريعة مكتوبة في التاريخ.

وفي شريعة حمورابي تم تحديد حصة يومية من البيرة لكل شخص حسب منزلته الاجتماعية، ويقول المؤرخون إنه في بابل صُنع 19 نوعا مختلفا من البيرة.

وتعبد بها السومريون حتى أنه كان لهم آلهة تدعى «آلهة الجعة»، وكان الصيادلة السومريون يُعطون المريض وصفة البيرة كعلاج لبعض الأمراض في حدود عام 2100 ق.م.

كذلك تم ذِكر صناعة البيرة في أقدم الكتابات السومرية 6000 سنة ق.م من خلال صلاة الشكر إلى الآلهة السومرية «نانكاس أو نينكاسي»، وكذلك تم اكتشاف لوح طيني مسماري مفخور يعود إلى 2050 ق.م، ويحتوي على وصفة لصناعة البيرة في مدينة أور السومرية.

وفي بردية مصرية حوالي 1500 ق.م ذُكرت وصفة تشتمل على البيرة والنبيذ. وفي ألواح أوغاريت الكنعانية يرد ذكر مُسهب لهذا السائل المسكر في طقوسهم وعباداتهم وطعامهم. وفي كتاب العهد القديم ترد إشارة إلى تألق عيون أتباع يهوذا بفعل الخمرة التي تبهج قلب الإنسان.

ومن الثابت تاريخيا اعتقاد الفراعنة بأنّ أصل الخمر يعود إلى سيلان دماء المحاربين وامتزاجها بالتراب ليفوح الخمر، ويتضح ذلك من نقوشات المقابر.

أما الإغريق فكان لهم إله وطقوس للخمر، وهم الذين نقلوا الكرم إلى إسبانيا. وبعدهم نقل الرومان العنب إلى منطقة الراين والدانوب.

وفي العربية فإن اللفظة الدالة على الخمر «الوَين»: هي نوع من الزبيب، وهي كلمة مُشتركة في عدد كبير من اللغات، بما في ذلك اللغات السامية الحامية، واللغات الهندية الأوروبية، وغيرها.



4
0
1
0
0
0
7

شارك المقال


صحفي مصري مهتم بالأوضاع الاجتماعية والإنسانية