لا تدري ما قد يُحدثه بروحك الحنين إلى الماضي!،لا تدري كيف تُثير روائح الذكرى كيانك، وتهُزُّ دقاتِ قلبك من بين ضلوعك، فتشعر وكأنك مولود تلك اللحظة.. تلك اللحظة فقط التي حملتك على عاتقها في قطار الزمن، ورجعت بك إلى أولى محطات حياتك.

هكذا هم البشر دومًا يستهلك قواهم حنين للماضي، وصراع في الحاضر، بينما يتطلعون بكل الشغف نحو المستقبل.

تخرج من المنزل متجهًا نحو عملك في أمان الله، فترى بعض الأشياء التي تُلح على ذاكرتك الضعيفة بأن تتذكر وتتذكر.. إلى أن تستسلم لسيمفونية من النوستالجيا قد تسيطر عليك لثوانٍ.. لدقائق.. لساعات أو حتى طيلة اليوم!

تستيقظ على فنجان من الشاي بالحليب، تحمله يد أمك لترتشفه مع فطورها، فتروح أنت تُعد فنجانًا من النسكافيه أو مشتقاته، لتتذكر حينما كنت طفلًا رائحة فنجان الشاي بالحليب وشكله الشهي، حين تعُده لك أمك مع بعض «الساندويتشات»، والتي كانت بمثابة طقوس مُقدسة من طقوس مراحل تهيأتك للخروج من المنزل.

تنزل للشارع متجهًا نحو طريقك أيًا كان.. عملك.. نزهتك.. رحلتك الطويلة مع بعض الرفاق، فتقابلك حافلة المدرسة التي كانت تنقلك في طفولتك من أمام منزلك إلى المدرسة، ولطالما كنت تقف مع بعض الرفاق تلعبوا وتمرحوا، وتضحكوا حتى تأتي الحافلة.

ولطالما كنت تنتظرها بتذمر؛ رغبةً منك في الانطلاق، والطيران بحرية نحو مدرستك، دون شعور بقيود أو خوف والديك عليك حد إحساسك بذلك السجن الصغير!.

والعجيب في الأمر حقًا.. أنك تشتاق أحيانًا لذلك السجن الصغير الذي كنت تنفر منه يومًا ما!.

تشتاق لإحساس الحرية من المسئولية..لأن تجد من يقوم بدلًا عنك بما هو مُفترض عليك اليوم القيام به!.

تحنَّ لذكرياتِ الطفولة وأصدقاء مدرستك.. لضحكاتكم، للعبكم، لبراءتكم وتصديقكم للشائعات والخرافات التي تضحك منها اليوم!.

تحنَّ حتى لمشاجراتكم، ورجوعك المنزل بزيك المدرسي متسخًا، وعلامات الشقاوة محفورة فوق ملامحك ..حتى أن أمك تفهم بلمحة صغيرة كيف انتهى بك يومك.

تتذكر العقاب الذي كان يدفعك دفعًا لأن تعد مبكرًا للمنزل؛ خوفًا مما ينتظرك تحت مسمى "وقوع البلاء ولا انتظاره".

أما إجازاتك الدراسية.. والتي كنت تنعم فيها بدفء العائلة وجولاتكم الجميلة معًا، فهي أشياء أنفس من كل جواهر الأرض!،لا تُقاس ولا تقدر بقيمة محددة!..

أصبحت التكنولوجيا، ووسائل التقدم المتلاحقة أشبه بــ"غراب البين"، كنّا نحيا بدونها ،وكانت هي أبعد ما يكون عن خيالنا!، كانت حياتنا أكثر بساطة ..أكثر دفئًا.. أكثر تواصلًا وثقةً مع الآخرين.

بسيطة ٌهي الأشياء التي ترسم أمامك لوحات من الذكريات، والتفاصيل القديمة.

وأبسط منها هو قلبك الذي يبدو دومًا وكأنه بشفرة دافنشي المُعقدة الصعبة التفسير!.

ولكن في نهاية المطاف، لا تملك سوى أن تستسلم لسحر وتعويذات نوستالجيا تجعلك تسير كالمجذوبِ وراء صوتٍ من الماضي أو عطرٍ قديم.. تنحني احترامًا لتلك الأشياء التي كنت تمقتها يومًا ما، تعطش ولن ترتوي سوى من واحة صندوق الذكريات.

حنان العسيلي، كاتبة ومؤلفة كتاب «رسائل الروح»


المقالات والمشاركات المنشورة في قسم «شباك» تعبر عن رأي كاتبها، وليس لـ«شبابيك» تدخل في صياغتها ولا مضمونها


1
0
0
0
0
0
0

شارك المقال