احترف عزف العود ليتوج عليه "ملكا"، يشدو ألحانه عليه ليطوع الموسيقى الغربية للغناء العربية، ويدندن موال شرقي بصوته الحنون ليصبح كـ"البلبل الحزين" الذي لم يجد إلا العود ونيسا له يحكي له مرة ويسمعه شكواه مرة، فهو "موسيقار الأزمان" فريد الأطرش.

بداية سينمائية يكدرها "رثاء"

كان "الأطرش" بمثابة الأب الروحي لشقيقته الصغرى "أسمهان"؛ حيث آمن بموهبتها الغنائية، وأقنعها بأن تبدأ مشاركته الغناء في صالة ماري منصور بشارع عماد الدين، وكان يقود بعض بروفات أغانيها، وقدم لها العديد من الألحان، منها "ليالي الأنس في فيينا"، "يا حبيبي تعالى الحقني"، و"نويت أداري آلامي". كما مثلت معه أول فيلم له ولها "انتصار الشباب" عام 1941.

وبعد وفاتها غرقا في حادث مأساوي سقطت فيه السيارة التي تقلها بداخل ترعة الساحل في طريقها إلى رأس البر، تأثر "الأطرش" للغاية، وحزن عليها بشدة، ورثاها بثلاث أغاني "كفاية يا عين" و"يا منى روحي سلاما" و"يا زهرة في خيالي".

سلفة قدّرها النابلسي

في بدايته الفنية، تعرض الفنان عبد السلام النابلسي إلى وعكة صحية رقد على إثرها بداخل المستشفى 40 يوما، لم يفارقه خلالهم "موسيقار الأزمان" أبدا، كما أن الأخير حصل على سلفة مالية كي يدفع ثمن المستشفى وأجرة الطبيب، في الوقت الذي كان هو ذاته لا يستطيه أن يدفع أجرة منزله، ومنذ ذلك الوقت اعتبره "النابلسي" صديقه المقرب.

حب وفراق

في الوقت الذي كان فيه المخرج أحمد بدرخان غارق في العمل لتصوير مشاهد فيلم "انتصار الشباب"، أول أفلام "الأطرش"، كانت هناك قصة حب قوية تولد بداخل الكواليس؛ بطليها هما "الأطرش" ذاته و"سامية جمال".

باقة زهور كانت سببا في ميلاد قصة حب بداخل قلب "سامية" ودخولها إلى عالم السينما أيضا، وذلك حين أرسلتها مع كلمة "مبروك" إلى الأطرش، فور علمها بأنه سيخطو أولى خطواته السينمائية من خلال ذلك الفيلم، فذهب إلى زميلته بالعمل في كازينو بديعة مصابني، بعد أن دخل بها حلمي رفلة – مساعد المخرج وقتها- إلى البلاتوه، ليلقي التحية ويشكرها، فيراها "بدرخان" ويطلب من الماكيير وضع الماكياج على وجهها لتقف أمام الكاميرا جنبا إلى جنب مع "الأطرش"، تحمل شمعة أثناء غنائه "إيدي في إيدك".

تجددت اللقاءات الرومانسية والسينمائية بين الثنائي، فعملا سويا في أفلام "حبيب العمر" من إنتاج عام 1947، و"أحبك انت" و"أجازة في جهنم" و"عفريتة هانم" من إنتاج عام 1949، و"آخر كدبة" من إنتاج عام 1950، و"تعال سلم" من إنتاج عام 1951، و"ماتقولش لحد" من إنتاج عام 1952، وقدما مجموعة من أفضل الاستعراضات والأوبريتات والاسكتشات الغنائية كان يغنيها "الأطرش"، بينما تتراقص "سامية" على ألحانه، ومنها "ما قالي وقلتله" و"الربيع" و"بساط الريح".

لم يقدر لقصة الحب التي استمرت حوالي 11 عاما أن تكتمل، بسبب رفض "الأطرش" الزواج من "سامية" لإيمانه بأن الزواج سيقضي على عاطفة الحب ويضيع مصدر وحيه وإلهامه لألحان أغانيه، ومفسرا لها تقاليد عائلته في جبل الدروز التي تمنع أمير الزواج من راقصة، ما قد يعرضه للقتل إذا خالف هذه التقاليد، لتنسحب من حياته رغم تيقنها من حبه الكبير لها، وتتزوج من متعهد الحفلات الأمريكي "شبرد كينج" بعد أن أشهر إسلامه وغير اسمه إلى "عبد الله"، وعاشت معه عامين ونصف في الولايات المتحدة الامريكية، حتى حدث الطلاق بينهما وعادت إلى مصر مجددا.

محبة بعد عداوة

كون الموسيقار فريد الأطرش صداقة قوية مع الشحرورة صباح، بالرغم من أن بداية معرفتهما ببعضهما لم تكن تبشر بذلك؛ حيث شبه الأطرش صوتها بصوت "المعزة" حين تقدمت للغناء في الإذاعة، ما أدى إلى غضب "الصبوحة"، وانتقمت منه بطريقتها حين عرض عليها تمثيل دور البطولة أمامه في فيلم "بلبل أفندي" الذي عرض عام 1948، فأصرت على كتابة اسمها قبل اسمه على أفيش الفيلم، الذي كان بمثابة بداية لصداقة عمر بينهما.

وبعد "بلبل أفندي"، ظهرا الثنائي سويا في فيلمي "لحن حبي" من إنتاج عام 1953، و"إزاي أنساك" من إنتاج عام 1956.

كما قدما سويا دويتوهات غنائية، أشهرها أوبريت "فارس الأحلام"، وتغنت الشحرورة بأغاني لحن كلماتها "موسيقار الأزمان" أبرزها "أحبك ياني" و"محتار يا قلبي" و"زنوبة" و"ألاقي زيك فين يا علي" و"يا دلع دلّع". كما لحن الأطرش أغنيتان تغنت بها "شمس الشموس" لابنتها هويدا وهما "حبيبة أمها" و"أكلك منين يا بطة".

أما عن أشهر المواقف التي جمعتهم سويا، فذلك حين كانت أختها نجاة على وشك الولادة في الوقت الذي اضطرت فيه صباح إلى الذهاب إلى المسرح لتحيي حفل لها، بينما تركت أختها مع الطبيب وحدها، ليترك الأطرش حفلته التي كان من المقرر إحيائها معها في الليلة ذاتها فور علمه بذلك، ويذهب ليكون بجوار "نجاة" ذلك اليوم، ما جعل "صباح" تصفه بـ"الإنسان الشهم".

تنافس العندليب وملك العود

كثرت حول "ملك العود" والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ الشائعات التي كانت تصفهم بأنهما "أعداء" لا يطيقا بعضهما، خاصة مع تفرد اسميهما كأشهر مطربي الساحة الغنائية.

وبالرغم من انتهاز الصحافة فرصة وجود أي سوء تفاهم بينهما خاص بمواعيد وأماكن إقامة حفلاتهما الغنائية لتزيد من تلك الشائعات، لم يلق أي من الفنانين اهتماما بالرد أبدا، بل أعطى الاثنان اهتمامهما الكامل لفنهما في المقام الأول، ولكن بسؤالهما عن صحة هذه الإشاعات من عدمها في حوار تليفزيوني، نفى كل منهما أن يكون لها أي أساس من الصحة.

كما أن هناك بعض الصور التي ظهرا فيه سويا تنفي صحة مثل هذه الإشاعات.

 

بصمة "يوسف شاهين" الفنية

في بداية مشواره السينمائي، كان المخرج يوسف شاهين يحتاج إلى العمل مع مطرب كبير في شهرة "فريد الأطرش"، والذي استدعاه عام 1957، ليحكي له فكرة فيلم "انت حبيبي"، ليفاجأ بالحضور يضحكون بشدة على الأفكار التي يحكيها "الأطرش"، بينما هو لا يجد أن تلك الأفكار كوميدية لتلك الدرجة، ولكنه شارك في الضحك كي لا يضيع منه الفيلم، وأقنع "الأطرش" فيما بعد بالاستعانة بالمؤلف أبو السعود الإبياري، المعروف بـ"موليير الشرق" لتحويل تلك الأفكار إلى مواقف كوميدية، وذلك لرغبة كلا من "جو" و"الأطرش" في تقديم فيلما يحمل اسم "فريد الأطرش"، ولكنه مختلفا عن كل ما سبق أن قدمه سابقا، ليحقق "انت حبيبي" نجاحا كبيرا بعد عرضه عام 1957.

وجبات الفول والطعمية

أكدت الفنانة مديحة يسري أن الموسيقار فريد الأطرش كان في منزلة صديق العمر بالنسبة إليها، وقد تعاونا سويا في أفلام "أحلام الشباب" من إنتاج عام 1942، و"شهر العسل" من إنتاج عام 1945، و"لحن الخلود" من إنتاج عام 1952.

كما قالت إنها لم تشاهد رجلا في كرم "فريد الأطرش"، فكان لا يستطيع تناول أي وجبة إلا مع أصدقائه الذين كان يجمعهم بصفة دائمة بداخل منزله، وبينهم كمال الشناوي ومأمون الشناوي، كما أنه كان يواظب على إحضار الفول والطعمية لجميع أفراد طاقم العمل معه بأي فيلم سينمائي.

نصيحة "بركات"

بعد أن اشترى "ملك العود" قصة "دعاء الكروان" من عميد الأدب العربي طه حسين عام 1951 بمبلغ ألف جنيه مصري، حتى يحولها إلى فيلم سينمائي ينتجه ويقوم ببطولته، عرض القصة على المخرج بركات، الذي نصحه بأن الدور لا يناسبه، لأن القصة ستتحول لتلائم "المطرب" فريد الأطرش، ما قد يبعدها عن فكرتها الأصلية، وربما يسبب غضب الدكتور طه حسين، فعمل "الأطرش" بنصيحة "بركات"، وباعها له ليقدمها في فيلم سينمائي قامت ببطولته سيدة الشاشة العربية "فاتن حمامة" مع فارس السينما المصرية أحمد مظهر، وعرض عام 1959، ليحقق نجاحا جماهيريا ونقديا كبيرا.

نكتة الحمام

بعد أن ضاق من الإقامة بالفنادق ببيروت، استأجر "ملك العود" شقة كبيرة عام 1970 وزينها بالمفروشات والتحف الفنية الثمينة، ليقض فيها معظم أوقاته بين بروفات أغانيه وحفلات تجمعه وأصدقائه. وكانت أولى تلك الحفلات حفلة أقامها موسيقار الأزمان على شرف "فاتن حمامة" بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلمهما "الحب الكبير" الذي عرض عام 1968.

وفي الحفل، حكى "الأطرش" لمدعويه عدة نكات، بينها نكته عن ذاته رواها لـ"فاتن"، فاستلقت على ظهرها إثر شدة الضحك، وذلك حين قال إن أحد المعجبين كان دائم الاتصال به، طالبا محادثته، فتجيبه الخادمة سنية: والله الأستاذ مش قادر يكلمك.. لأنه في الحمام، وتكررت اتصالات المعجب، ليتلقى الجواب ذاته في كل مرة، ففي إحدى المرات، صرخ في سنية قائلا: هو الأستاذ مش نضيف للدرجة دي علشان يبقى في الحمام؟! وعلّق "الأطرش" قائلا: "أنا لما بستحمى، باغسل جسمي بالسبرتو، واتفضلوا شوفوا أنا نضيف إزاي!

فريد الأطرش موسيقار سوري حصل على الجنسية المصرية عام 1950، ولقب بـ"موسيقار الأزمان" و"ملك العود"، وهو من مواليد 21 أبريل عام 1910، وتوفى يوم 26 ديسمبر عام 1974.




0
0
0
0
0
0
0