عندما أقرأ عن قصص نجاح لأفراد حققوا طموحهم ووصلوا لمنتهى معاني السعادة والنجاح في سن كبيرة أشعر بحالة من الرضا، رغم عدم إنكاري أن هذا الرضا يعتبر مخدر ونوع من أنواع «تصبير النفس»..

ولكن يبدو أن الكثيرين من أبناء جيلي أصبحوا فعلاً في حاجة إلى هذا المخدر، فقط من أجل هدم أسطورة «زهرة الشباب وأجمل سنين العمر هي العشرينات» هذه الحقبة التي أوشكت على الانتهاء على غفلة، ليجد كل منا يسأل نفسه: «هي عدت امتى أو إزاي أو خرجت منها بايه فعلا حيتحفر في ذاكرتي العمر كله؟».. ليجد أن الإجابة «صوت صرصور الحقل».

عن نفسي، لم أعِش خلال المدرسة حياة منطلقة مليئة بالخروجات والمغامرات والتجارب الفريدة ولا أي أنواع من الطيش أو حتى النبوغ، ولكني لم أكن مهتمة بذلك إطلاقاً وقتها، فالكبار كانوا يقولون إن سنين الجامعة هي أيام الانطلاق الحقيقية وفيها يكتشف كل شاب وكل فتاة المواهب والقدرات المدفونة بداخلهم ويستشعروا أنهم حقاً خرجوا من نطاق الرقابة والدراسة والمواعيد الروتينية لحياة أرحب في كل شيء.

ولكن ياللعجب مرت سنين الجامعة «صورة طبق الأصل» من المدرسة باختلاف «اليونيفورم»، فكانت فرص الخروج تتم كل شهر مرة وكان الهم الشاغل هو حضور المحاضرات واجتياز الامتحانات وتقديم مشاريع التخرج، والأدهى متابعة أخبار السياسة والقتلى والمعتقلين أثناء ثورة 25 يناير وما تبعها من حلقات علّمتنا حقاً كيف نتحمل الهموم قبل الأوان!

ماذا لو قلت لك إن أجمل أيام حياتك كانت ما بين 20: 28 سنة؟.. «ياللكارثة: أنت أصلا في عمر الثلاثين»، فيما ذهبت السنوات الماضية من عمرك؟ كم مكا ن حلمت أن تسافر إليه وحققت ذلك؟ ما الموهبة التي اكتشفتها في نفسك أو نبغت فيها؟ هل أنت مستمتع بعملك الحالي (إن كنت قد وجدت عملا)؟ كم أصبح راتبك في العمل؟ متى استشعرت أنك تعيش حياة روتينية حتى لو كنت راضياً عن عملك؟ هل تشعر أنك حقاً مستعد أن تترك مرحلة الشباب ويُقال لك «يا عمو» أو «يا طنط» أم أن هناك من سرق السنوات الماضية دون أن نشعر؟!

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي


جيلنا يُعتبر مسكيناً إن قارن ظروفه المادية بجيل الآباء والأجداد، فنحن نستشعر أزمة التعليم والتدريب والتوظيف وصعوبة الادخار بشكل واضح جداً ومعروف حتى من قبل التخرج من الجامعة، ولكن خلال الأعوام الماضية أصبح الواقع أسوأ حتى من توقعاتنا السابقة، ففكرة أن أبناء وبنات جيلنا أصبحوا يعملون 12 ساعة في اليوم لتحقيق الاكتفاء المادي في حد ذاتها ظالمة.

عندما يسألنا أحدهم عن أحوالنا نجيب بعبارة: «ماشي الحال» ورغم أنها تأتي مصحوبة بالحمد إلا أنها إجابة محبطة في حد ذاتها، لا تغيير ولا متعة ولا إنجاز كبير ولا حلم يتحقق، أصبحت الأيام جميعها متشابهة حتى الحزينة منها هي أيضاً تمر سريعاً، بما فيها أيام الأجازات أو الأعياد التي تحولت إلى مجرد شكليات، لننظر إلى السنين التي مرت ونكتشف أنها فترة العشرينات التي كان من المفترض أن تكون «أجمل سنين العمر».

كم سنة من تلك السنين ضاعت وأنت تحاول أن تسترد حق لأناس وصفوك في النهاية بأنك «عيل ومش فاهم حاجة وحتخرب البلد»؟ كم منها ضاعت في علاقة حب فاشلة استمرات سنين كنتي تظنيها هي العالم بما فيه وندمتي بعد أن انتهت برسالة وبلوك لسبب أتفه من أن تتذكريه؟ كم منها ضاع في دراسة لا تحبها أو عمل غير متوافق مع قدراتك؟ كم منها ضاع وأنتي تفكرين في السفر للخارج مع رفض أسرتك أو في تغيير مجال عملِك وتخشي البدء من جديد لمجرد خوفك من مبدأ البداية من الصفر؟


التفتيش عن المتسبب في ضياع السنين الماضية لن يعيدها، فالظروف متشباكة وكل منا كان سبباً في التفريط في حق نفسه، الأهم الآن هو اللحاق بما هو متبقي من العمر سواء على صعيد الحياة الشخصية أو العملية حتى لو تكلف الأمر البدء من جديد، وبالمناسبة الحديث عن تجارب ناجحة لأفراد في عمر الأربعين والخمسين ليس مجرد تخدير، هي تجارب حية وواقعية التأمل في أي منها قادر على إصبات أن الفرصة لم تمضِ بعد، فقط إن انتبهنا وقررنا.. وبدأنا.

مي الفحام صحفية مصرية تعيش في مدينة الإسكندرية

المقالات والمشاركات المنشورة في قسم «شباك» تعبر عن رأي كاتبها، وليس لـ«شبابيك» تدخل في صياغتها ولا مضمونها.

 

 

2
0
0
0
0
0
0

شارك المقال