«نحنُ لا نخْتلفُ في الحُبِّ، بل نَخْتَلفُ في مِعْيار الحُبِّ»، ومن هنا يحدث الخلاف والشجار، وتنهالُ اللعنات على الحب، وتصيبُ المحبين غدرات وآهات لم تكن يوماً في الحسبان، فيتسائل كل حبيب هل هذا هو الحب؟!

ثم يصل لمرحلة يقول فيها: أسوأ ما في الدنيا هو الحب..

لنبدأ الآن بتوضيح سبب الخلاف، ولم تحول أعظم معنى في الدنيا إلى مسبة عظيمة؟!

إن الخلاف بين الطرفين لم يكن يوماً في أن الحب هو الأمان، هو الراحة والإطمئنان، لكن الخلاف كان في فهم كل منهما للحُب.. في الصورة الذهنية المنطبعة داخل كل منهما عن الحبيب.. في تنشئة كل منهما في بيئة تحمل معيارا مغايرا للحب..

ولأُسهل عليك الأمر، سأضرب لك مثالا؛ «الغيرة» قيمة ومعنى، كلنا ندركها جيداً، لكن«الغيرة» عند الرجل الشرقي تختلف عن غيرة الرجل الغربي، بل أن غيرة الرجل تختلف تماما عن غيرة المرأة، كذلك غيرة الرجل الذي يسكن صعيد البلد مختلفة عن غيرة غيره، ولكنها في النهاية تسمى«غيرة»، وتحدثت عن ذلك كثيرا في كتابي «آدم وحواء»..

فلو تزوج شرقيٌ من غربية، أو صعيديٌ من حضريةٍ.. ستظهر خلافات كبيرة لفهمهم المتباين للغيرة.. كلٌ له صورة ذهنية ومشاعر قلبية وعادات تحكُمه.

كذلك لو قلت لك «بِناء»، قد تبدو لأول وهلة في ذهنك صورة«فيلا»، ولغيرك «عمارة»، ولغيرك«بُرج»، ولغيركم صورة«مدرسة» أو ....، لكننا نتفق جميعا على عدة أمور منها: أن البناء سيكون على الأرض ومرتفع وصلب و .....

إذاً فنحنُ نتفق في بعض الأشياء الأساسية في تفاصيل المعنى لكننا نختلف في المعيار وهو الصورة الذهنية للمعنى، وبعض القيم والعادات التي تم إدخالها عقولنا، فأنا وأنتَ يوماً ما.. قد اشترينا ما روَّجوه لنا، واقتنعنا بجميع ما أخبرونا به، دون وعي لاختيارنا!

هل علمتَ الآن أن الخلاف ليس في معنى الحب الذي نتفُق عليه جميعا، وإنما في الحب الذي تربينا عليه ورسمناه في قلوبنا قبل عقولنا وانتظرناه متجسداً في إنسانٍ ما، يقدم لنا ما ننتظره نحن لا ما يملكه هو، ويعطينا ما نبتغيه لا ما يبْتغيه هو، ننتظر الحصول على ما يسعدنا، وهو يقدم ما يسعده هو..

 

«القِطَة» تنتظر منك السعادة في شكل«حليب وقطعة لانشون» وأنت تُقدم لها قطعة الحلوى التي تُسعدك أنت...

و«الأرنب» ينتظر منك الجزرة التي تمنحه السعادة، وقد تقدم له أنت«البيتزا» لأنك تحب أكلها.. أنت تقدم الأفضل لا«الأنسب»، لأنك تختار لنفسك الأفضل لا«الأنسب»!

وتقول في نفسك، لمَ يتذمر الأرنب ولمَ تتذمر القطة وقد قدمت لهما أفضل مما يطلبون وأغلى؟!

كل ما في الأمر أنك قدمت لهم ما يسعدك أنت لا ما ينتظرونه! لاختلاف معيار الحب ومفهومه بينكما.

ليس هذا في الحب فقط، بل في كل المعاني، مثل الصدق، والأمانه، والغيرة، والرضى.. نحن نختلف في المعيار لا في المعني.

لكن العجيب والذي قد لا ينتبه له الكثيرون أننا لم نَجد مَن ينعَت الصدق والأمانة وسائر المعاني بمثل ما ينعتون به الحب من سُباب وشتائمَ ولعنات..

ما خَلَقَ اللهُ في أرضه ولا سماواته أعظمَ من الحب، الذي به تكون القوة والطاقة الكامنة التي تتفجر في أوقاتها..

وما أُسيء لشيء مثلما أُسيء للحب..

عليك إذاً أن تعرف جيداً معيار الطرف الآخر للحب وتحدده قبل أن تُقْدِم على محاولة إسعاده ووعده بالراحة والأمان..

إن وَعِيتَ ما أقول.. عليكَ أن تراجع تفاصيلاً كثيرةً في علاقاتك فلربما تكون سبباً في ظُلم نفسك وظُلم الطرف الآخر، بعد أن كنت تظلمه وتدعو عليه ليل نهار

«يُبْلِيكَ رَبي مِثلِما أبْليْتَنِي»

عمرو عادل، استشاري العلاقات الأسرية وعضو المعهد الامريكي الدولي للتدريب

المقالات والمشاركات المنشورة في قسم «شباك» تعبر عن رأي كاتبها، وليس لـ«شبابيك» تدخل في صياغتها ولا مضمونها.
 



0
1
0
0
0
0
0