بصوت مميز وتعبيرات الوجه وحركات الجسد واليد والإيماءات المؤثرة، عُرف الشيخ محمد متولي الشعراوي كنجم تلفزيوني ارتبط به الناس شغفا بالأسلوب الذي انتهجه في تفسير معاني الآيات القرآنية.

كان الشعراويُ موهوبا في تبسيطِ العلوم الدينية واللغوية لشدة وضوحها لديه، لعل ذلك ما أسهم في تجميع الملايين حوله من الأميين وطلاب العلم على السواء، ناجحا في اختراق القلوب والعقول وإزالة الحواجز بين مستويات الأفهام المختلفة.

محمود شاكر.. المحقق الفنان وفارس التراث العربي

الحبس بسبب هجاء الملك

من بداية نشأته، أصرّ والدُه على انتظامه في الدراسة الأزهرية رُغم ما بدا من تعلقٍ بالزراعة ومحاولاته التهرب من التعليم آنذاك، اصطحبه الأب إلى الكُتّاب ليحفظ القرآن ثم إلى المعهد الابتدائي الأزهري في الزقازيق ليُظهر تفوقا وتميزا ملحوظا.

ارتبط بالحركة الوطنية الأزهرية حتى تولى رئاسة اتحاد الطلاب في المعهد الثانوي، وألقى قصيدته في حفل تأبين الطلاب من ضحايا حادثة كوبري عباس، والذي أقيم في الزقازيق تحايلا على الحكومة التي منعته في القاهرة.

في ثورة 1919، شارك ضد قوات الاحتلال الانجليزي وسط زملائه الأزهريين من جيله، وهجا الملك بقصيدة شعرية أسفرت عن محاكمته وحبسه بعد القبض على أبيه وأخيه كوسيلة لإجباره على تسليم نفسه.

العقاد.. صاحب «العبقريات» الذي عاش وحيدا بين الكتب

الشعراوي وحسن البنا 

التحق بكلية اللغة العربية بالقاهرة، في نفس العام الذي التقى فيه بالشيخ حسن البنا القادم من محافظة الإسماعيلية، وتأثر به إلى حد جعله يكتب أول بيان إعلاني لجماعة «الإخوان المسلمون» في العاصمة المصرية، البيان الذي أثنى عليه العالم الأزهري وأحد قيادات الإخون وقتها أحمد حسن الباقوري، وسُر به البنا.


جمع الشعراوي بين عضوية حزب الوفد باعتباره قائدا للمقاومة الشعبية وملازمة الإخوان إعجابا بحسن البنا ودعوته الفكرية، إلا أنه مع أول تصادم بين الوفد والإخوان عام 1939، ترك الإخوان وعزز من ارتباطه بسعد زعلول  ثم مصطفى النحاس من بعده.

الوفد وعلاقة الشيخ بالنحاس باشا

وتوطدت علاقته بالنحاس باشا، حتى قيل إنه إذا مر على مدينة طنطا عن طريق القطار وقف في المحطة ليسأل «أين الشعراوي؟» ولما نجا زعيم الوفد من حادثة الاغتيال قال الشعراوي كلمته «بسم الله نحرس هذا الرجاء، والحمدلله على نعمة هذا الشفاء، والله أكبر لطف حين قدر، وأزاح الغمام عن البدر فأسفر، فـ بسم الله والحمدلله والله أكبر».

مصطفى الرافعي جلاد الأدباء (بروفايل)


المدرس بمعهد طنطا الديني، محمد متولي الشعراوي، سافر إلى السعودية ضمن بعثة الأزهر المنوطة بالتدريس في كلية الشريعة الإسلامية، وبمرور الوقت ظهر ضيفا في برامج تلفزيون المملكة.
وأثناء إقامته هناك، وقف ضد نقل مقام إبراهيم من مكانه، المشروع الذي اعتزمته المملكة وقتها، وتراجعت عنه بعد تدخل الشعراوي والوصول لحل متوسط. 

قامت ثورة يوليو، سحب جمال عبدالناصر بعثة الأزهر من السعودية بعد ازدياد حدة الخلاف مع المملكة، عاد الشعراوي ليعمل مديرا لمكتب شيخ الأزهر حسن مأمون.

لم يمكث طويلا حتى سافر إلى الجزائر رئيسا لبعثة التعريب الأزهرية لإحياء اللغة العربية، وهناك التقى بالشيح محمد بلقايد شيخ الطريقة الهبرية الصوفية ولازمه حتى وفاته، ما أدى إلى انفتاحه على تجارب روحية.

سجدة النكسة والانتصار

سجد الشعراوي شكرا عقب هزيمة 1967 وكان حينذاك في الجزائر، ما أثار جدلا كبيرا بسبب موت كثير من الجنود المصريين في الحرب، اعتبره البعض فرحا بسبب كرهه للرئيس عبدالناصر، فسر ذلك الموقف أنه ناتج عن سروره بانهزام «المشروع الشيوعي».

يقول الشعراوي «انفعلت فسجدت عندما علمت بالنكسة، وحينما علمت بانتصارنا -في أكتوبر- سجدت أيضا، فرحت في السجدة الأولى لأننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضان الشيوعية لأصبنا بفتنة في ديننا، والثانيةسجدت لأننا بعدنا عن الشيوعية ولأن الحرب استهلت بـ"الله أكبر"..»


في السبعينيات كانت أول حلقة تلفزيونية في التلفزيون المصري مع المذيع أحمد فراج في برنامج «نور على نور» عن الإسراء والمعراج وكان عمره قد تجاوز الستين، تبعته أحاديث مسجلة ثم بث حلقاته لتفسير القرآن.


الشعراوي وزيرا للسادات

لماذا لن يُكفر الأزهر «داعش»؟

بحث السادات في أول رئاسته عن مشروعية تميزه عن عبدالناصرالذي خاض المعارك ضد الأزهر والإسلاميين، قال الرئيس الجديد أمام البرلمان «الإسلام دين ودوله»، مستعينا ببعض الشيوخ لإضفاء طابع مختلف على نظامه الجديد، وتولى الشعراوي وزارةالأوقاف عن طريق رئيس الحكومة ممدوح سالم في نوفمبر 1976.

الشعراوي اتخذ مكتبا صغيرا لنفسه بجوار الباب ولما سأله السادات أجاب قائلا «علشان لما تطردوني يبقى الباب قريب»، وطلب إعفائه من المنصب قبل أقل من سنة إلا أن الرئيس جعله ينتظر حتى تغيير الوزارة كاملة.


اصطدم الشعراوي بالرئاسة لما رغبت جيهان السادات في تأييده لقانون الأحوال الشخصية، ورآه مخالفا للشريعة الإسلامية، وبعدها اتفاقية كامب ديفيد الذي صمت الشعراوي قليلا ثم لم يمكث طويلا حتى تحدث في دروسه عن صفات اليهود السلبية، ليطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي رسميا بوقف حلقاته ومنعت التسجيلات ولم تعد إلا بعد التدخل من عثمان أحمد عثمان.

وجه السادات كلمته للشعراوي محتجا بالقرآن «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»ورد الشيخ المُفسر في حديث مسجل «إلا في معصية الله، أطيعوا الله الأول، الله لم يجعل لولي الأمر طاعة مستقلة».

انتفض الشعراوي أيضا لِما جاء في خطبة السادات عن الشيخ أحمد المحلاوي «مرمي في السجن زي الكلب»، فأرسل برقية إلى الرئاسة قال فيها «السيد الرئيس محمد أنور السادات، إن الأزهر الشريف لا يخرج كلابا، ولكنه يخرج دعاة أفاضل وعلماء أجلاء».




0
5
0
0
0
0
0

شارك المقال