أزمات اقتصادية كبيرة يعانيها المصريون بعد أن اتبعت الحكومة إجراءات تقشفية مثل تعويم الجنيه، وإلغاء الدعم ورفع أسعار بعض السلع، استجابة لشروط صندوق النقد الدولي.

تخوف كبير أثارته هذه الإجراءات خصوصا بعد أن ارتفعت أسعار بعض السلع لأكثر من 100% كما زادت الشكوك حول جدوى هذه الإجراءات في تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية.

لكن مصر لم تكن الدولة الأولى التي اتبعت هذه الإجراءات فبعض الدول، استطاعت تجاوز الأزمة إلى نجاح اقتصادي كبير، وبعض الدول يحدث معها العكس تماما وتنهار اقتصاديا.

دول تعاني من تجربة التشقف الاقتصادي

  • اليونان

تبدو اليونان كأقرب مثال إلى أذهان المصريين؛ ففي العام 2015 طبقت سياسيات التقشف، مقابل حصولها على مساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي.

وكانت شروط الاتحاد الأوروبي هي  تقليص الوظائف الحكومية، زيادة الضرائب، رفع سن التقاعد حتى 65 عاما، وتخفيض عدد البنوك.

ورغم أن نتيجة الاستفتاء الشعبي على هذا القرار جاءت بالرفض بنسبة 61%، لكن تجاهل هذه النتيجة كان الحل الوحيد حتى لا تخرج اليونان من منطقة اليورو.

المواطنون يحتفلون بنتيجة الاستفتاء برفض القرض
من الاتحاد الأوروبي وما يتبعه من إجراءات التقشف

فالمواطنون يعرفون تبعات التقشف جيدا؛ فمنذ العام 2011 وقد بدأت اليونان بالفعل في تطبيقها مقابل حصولها على قرض آخر؛ حتى جاء العام 2015، ولم تكن قادرة على سداد ديونها، وتدني مستوى معيشة المواطنين وارتفعت نسبة البطالة في العام 2013  إلى 27%.

ارتفع مستوى الفقر ولم يعد المواطن باستطاعته سحب المبلغ الذي يستطيع إعاشته يوميا وهو 60 يورو، بسبب خفض أعداد البنوك، كما يذكر تقرير لـ«روسيا اليوم».

صندوق النقد الدولي نفسه أدان هذه الإجراءات و رفض حصول اليونان على قرض جديد في 2015، وقال إن الاقتصاد اليوناني وصل إلى حالة لن يتحمل معها المزيد من الإجراءات التقشفية، والحل هو تخفيض هذه الديون، بعد أن بلغت 200% من الناتج القومي.

ورغم حدوث نمو في الناتج المحلي بعد هذه الإجراءات، لكن نمو ضعيف للغاية لأن يساعد في تسديد ديون اليونان في الوقت الحالي، لكن الوقت لا يزال مبكرا على تقييم التجربة ككل.

دول تنجح في تجربة التشقف الاقتصادي

  • غانا

قد تظن أن غانا هي دولة أفريقية وفقيرة؛ خاصة أنها خضعت في العام 2015 لنفس شروط البنك الدولي.

وكان على غانا أن تتبع إصلاحات اقتصادية تستهدف تقليض التضخم وزيادة فرص العمل ومواجهة عجز الميزانية، للتغلب على هذه السياسيات.  

اتجهت غانا إلى التركيز على الاستثمار في ثرواتها الطبيعية؛ فهي ثاني بلد أفريقي في إنتاج الذهب، إلى جانب ثروة معدنية هائلة، كما أنها ثاني بلد في العالم في زراعة وإنتاج الكاكاو.

الإصلاح الاقتصادي الذي أدى لتوفير فرص عمل للمواطنين وتوفير دخل كبير للدولة أدى إلى تخفيض الضرائب، رغم استمرار سياسة التقشف الاقتصادي.

وحتى يؤتي الإصلاح الاقتصادي بثماره جيدا، اتبعت غانا خطة للإصلاح السياسي، حتى أصبحت من أقوى الدول الأفريقية في مجالي حقوق الإنسان والمجتمع المدني؛ هذا كله إلى جانب الاهتمام بالتعليم ومحو الأمية.  

وفي خلال عامين فقط قد انتقلت من دولة تواجه عجزا في الموازنة لا يكفي لتسديد ديونها إلى دولة تحقق نموا اقتصادية بمعدل 8% سنويا، حتى اعتبرت من أسرع الدول النامية اقتصاديا.

  • تركيا

أكثر من عشر سنوات احتاجتها تركيا حتى تتجاوز سياسة التقشف إلى النهضة الاقتصادية.  

ففي العام 2002 حصلت تركيا على قرض للمرة الثالثة من صندوق النقد الدولي؛ بعد أن انخفضت قيمة الليرة التركية بنسبة 50%، وتم تسريح أكثر من مليون مواطن من وظائفهم، وإغلاق مئات الشركات.

لم تكن لدى تركيا ثروات طبيعية هائلة من نفط ومعادن؛ ومن هنا اعتمدت على الصناعة والزراعة والتصدير كجزء أساسي من نهضتها الاقتصادية؛ مثل صناعة السيارات والإلكترونيات والنسيج؛ كما أصبحت تركيا في المرتبة السابعة عالميا في تصدير المنتجات الزراعية؛ كما واجهت الزيادة المستمرة في التضخم بتحديث مستمر رواتب الموظفين وضبط الأسعار.

وحتى تحقق تركيا هذه النهضة هتمت كثيرا بالتعليم الذي جعلته مجانيا تماما حتى الدراسات العليا، وركزت بشكل خاص على التعليم المهني.

ونتيجة هذه الإصلاحات حققت تركيا نموا اقتصاديا بنسبة 6.7% في الفترة بين 2002 و2011 ، وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ لتصبح بذلك من أسرع الدول في النمو الاقتصادي.

ولتصبح في العام 2015 واحدة من الدول ذات الدخل المرتفع، وفقا لتصنيف صندوق النقد الدولي، بعد أن بلغ الناتج المحلي للفرد 12859 دولار في العام.

دول تكرر تجربة التقشف الاقتصادي 

  • البرازيل

الثقة في الاقتصاد البرازيلي قد انعدمت تماما، بعد ارتفاع نسبة الديون إلى 900% من إجمالي الناتج المحلي في العام 2002.

لم يقف الأمر عند انخفاض قيمة الريال البرازيلي أمام الدولار، أو زيلادة معدل التضخم؛ بل عجزت الدولة عن إمداد معظم المدن بالكهرباء.

ولم يكن هناك حل غير الحصول على قرض البنك الدولي؛ لدفع الاستثمار وتسديد الديون؛ مقابل تخفيض نفقات الحكومة بإلغاء الدعم، وتقليض الوظائف، وإلغاء بعض الوزارات.

وإلى جانب هذا اتبعت البرازيل خطة للإصلاح الاقتصادي؛ اعتمدت على تصدير البترول والمعادن، مستفيدة من ارتفاع الأسعار بعد الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، لتحصد المزيد من الأرباح.

ولتعويض الزيادة في الأسعار ونسبة البطالة، اتجهت إلى استثمارات داخلية في مجال الزراعة والسياحة والصناعة؛ لتوفر الكثير من فرص العمل والمرتبات للمواطنين؛ مع تخصيص برامج إعانة اجتماعية للطبقات الفقيرة.

ومع مجيء العام 2011 وبعد تسع سنوات؛ أصبحت البرازيل سادس أقوى اقتصاد على مستوى العالم؛ بعد أن نجحت هذه الإصلاحات في تسديد ديونها لصندوق النقد الدولي.

لكن البرازيل تعود الآن لتكرار سياسات التقشف الاقتصادي بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربتها مؤخرا، ورغم الإضرابات التي عمت البلاد نتيجة هذه السياسات.

  • الأرجنتين

لم تكن الأرجنتين التي تعتبر حاليا  ثالث اقتصاد في أمريكا اللاتينية بأفضل حالا، من الدول النامية في العام 2001 عندما اضطرت لاتباع السياسة التقشفية ذاتها؛ فيما عرف بـ«أزمة إفلاس الأرجنتين».

تشبه رئيسة الأرجنتين السابقة «كريستينا كيرشنر» هذه الأزمة بالأزمة التي تعيشها اليونان حاليا فتقول.. كانت تلك السياسات مرعبة أدت إلى العذاب والجوع والبطالة، كان المواطنون يعيشون على ضوء الشموع لتوفير نفقات الكهرباء؛ وفقا لـ«سكاي نيوز».

رغم الأزمة الاقتصادية الحالية لكن الأرجنتين لا تزال
​​​​​​​واحدة من نماذج النهوض الاقتصادي في العالم

لكن الأرجنتين اتبعت طريقة مختلفة، فقد أعلنت أنها لن تدفع شيئا من ديونها حتى تحقق نهضتها الاقتصادية أولا، إلى الحد الذي دفع بعض البنوك والمؤسسات الدولية إلى المطالبة بتوقيع عقوبات لترهبها حتى تسدد الديون.

تظاهرات كثيرة شهدتها الأرجنين في العام 2001 بسبب هذه الإجراءات، شارك فيها العمال والطلبة.

وبجانب الاصلاحات الاقتصادية  التي اتبعتها الأرجنتين كغيرها من الدول التي عبرت تلك الأزمة؛ لكنها فعلت خطوة أكثر جرأة وهي مصادرة جميع ودائع البنوك من الدولارات لسد عجز الموازنة، بعد أن اتجه أصحاب الأموال إلى تهريبها للخارج.

وبعد سنوات من الإصلاح أصبحت الأرجنتين واحدة من كبرى الدول اقتصاديا؛ عاودت الأزمة في الظهور مرة أخرى، وعادت الدولة لاتباع الإجراءات التقشفية في العام 2015، بعد أن ارتفع التضخم إلى 40% وأصبح ثلث الشعب تحت خط الفقر؛ رغم ما قوبلت به هذه الإجراءات من التظاهرات والإضرابات.




7
1
0
3
1
0
0

شارك المقال


محررة صحفية ومترجمة مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال