كُتب للرئيس محمد نجيب أن يكون أول رئيس لمصر، بعد أن أصبح الواجهة الشعبية لحركة الجيش في 23 يوليو من العام 1952 ضد الملك فاروق؛ لكن ما لبث الخلاف أن اندلع بينه وبين «مجلس الثورة» بقيادة جمال عبد الناصر؛ والذي انتهى بإعفاءه من منصبه كرئيس للجمهورية، في حركة وخطوات تصعيدية ضد «نجيب» قد تبدو غامضة وغير مفهومة للكثيرين.

لكن هناك العديد من العوامل التي ساعدت في إشعال الصراع بين أول رئيس لمصر ومجلس قيادة الثورة، والذي أدت إلى إعفاءه من منصبه فيما يبدو بالخطة المدبرة؛ كما يكشف عنها «شبابيك» في السطور التالية، وكما يراها مؤرخو ثورة يوليو ومن عاصروها.

محمد نجيب.. مستبعد قبل ثورة 23 يوليو

لم يكن محمد نجيب من الضباط الأحرار، ولم يكن له دور في التحريك والحشد الذي سبق ثورة 23 يوليو؛ كما يعترف هو بنفسه في كتاباته، وكما يعترف لأستاذ التاريخ الحديث، بجامعة عين شمس، الدكتور «جمال شقرة» في حديثه معه خلال إعداد رسالة الماجستير.

كان «نجيب» قبل الثورة ضابطا وطنيا، حاز الأوسمة في حرب فلسطين عام 1948، وله موقف واضح ضد الملك، فقد فاز على قائمة الضباط الوطنيين في انتخابات نادي الضباط ضد قائمة الملك عام 1951.

ولهذا وقع الاختيار عليه، عندما أراد الضباط الأحرار الشباب أن تكون لهم واجهة محترمة، تمثلهم أمام الشعب.

ومن البداية، وحتى قبل الثورة؛ أبعده الضباط عن الصورة، حتى لا تثور الشبهات حوله أو يُكشف أمره، وهو الضابط ذو المكانة الكبرى، وينتهي أمر الثورة قبل أن تبدأ.. كما يقول «شقرة» في حديثه لـ«شبابيك».

«نجيب» يُحسب له أيضا المخاطرة بأن يكون قائدا لهذا التنظيم السري قبل الثورة، وهو القائد العسكري المعروف وصاحب الخصومة الشهيرة مع الملك؛ كان هو الواجهة التي ستدفع الثمن الأكبر في حالة فشل الثورة؛ بينما كان جمال عبد الناصر هو القائد الفعلي للضباط الأحرار؛ كما يوضح أستاذ التاريخ بجامعة دمنهور، الدكتور أحمد الملا.

صراع على السلطة بعد ثورة يوليو

وبعد نجاح الثورة كان هناك صدام لا بد أن يحدث بين «نجيب» ومجلس قيادة الثورة، كما يقول أستاذ التاريخ الحديث بجامعة دمياط الدكتور «أحمد الملا» في حديثه لـ«شبابيك».

فالمنتظر من «نجيب» بعد نجاح الثورة أن يستمر في دوره كواجهة مشرفة فقط، بينما يقود عبد الناصر المجلس والبلد؛ خاصة أن نجيب لم يصبح واجهة للثورة إلا قبل اندلاعها بشهور قليلة.

«محمد نجيب أعد نفسده ليستمر حاكما، ولم يكن نجيب وحده صاحب الطموح غير المحدود، كان هناك أيضا جمال عبد الناصر»..  هذا ما يخبرنا به أحد الضباط الأحرار «خالد محيي الدين» في كتابه «الآن أتكلم».

لكن «نجيب» كان يراهن على شعبيته فهو من عرفه الشعب كرمز للثورة.. يستكمل «محي الدين» في كتابه: «لجأ نجيب إلى الجماهير والتحدث إليها بلهجة خالية من الترفع، وحاول أن يتوارى أعضاء مجلس الثورة منكرين لذواتهم، ولم يكن هذا سهلا أو مقبولا».

اقرأ المزيد

أثار خوف بريطانيا.. قصة مسدس أهدته أمريكا لمحمد نجيب بعد ثورة 23 يوليو

«الهدية» في عالم السياسة تحمل رسائل محددة يريد صاحبها إيصالها إلى الطرف الآخر دون أن يصرح بها، وقد تكون مقدمة لفتح باب الحديث في موضوع شائك، وربما يكون بمثابة "جر رجل" إلى حقل ألغام سياسية.

خلاف حول الديمقراطية أم السلطة؟

أراد «نجيب» أن يعود الجيش لثكناته وأن تعود الحياة البرلمانية والديمقراطية؛ كان هذا هو أحد الخلافات الجوهرية بينه وبين مجلس قيادة الثورة، الذي أراد حل الأحزاب وعدم عودة الحياة النيابية.

وهنا تختلف الآرا حول هذا الخلاف؛ فخالد محيي الدين وهو أحد الضباط أعضاء مجلس الثورة، يقول في كتابه.. كان الأمر صراعا على السلطة بين كل الأطراف؛ كل منهم يريد أن يحوزها لنفسها وليس للشعب.

محمد نجيب والإخوان

قدم «نجيب» استقالته في فبراير 1954 اعتراضا على تحجيم سلطاته ورؤيته للمسار الديمقراطي، وخرجت مظاهرات حاشدة تطالب بعودته وتندد بمجلس قيادة الثورة.

وهناك من يرى أنه كان هناك اتفاق على هذه الاستقالة بين الرئيس الأسبق والإخوان، وبعدها يحشد الإخوان لمظاهرات كبيرة تدعوا للديمقراطية ولعودة «محمد نجيب».. يدافع عن هذه الرؤية الدكتور «جمال شقرة» أستاذ التاريخ.

لكن الدكتور «أحمد الملا» يقول أن الإخوان كانوا القوى السياسية المتماسكة بعد ثورة يوليو، وبعد حل الأحزاب، وقد تعاون معهم «نجيب» في معركته ضد مجلس قيادة الثورة؟ أما الضباط الأحرار، فقد رأوا أنه «يستقوي» عليهم بالإخوان.

انقسام داخل الجيش ومجلس الثورة


محمد نجيب لم يكن في جانب وحده أمام مجلس قيادة الثورة؛ بل انقسم الجيش نفسه بينهما، فيما يعرف بأزمة «سلاح الفرسان» كما يقول «الملا» لـ«شبابيك».

فسلاح المدرعات «الفرسان» برئاسة «خالد محيي الدين» نفسه بالكامل كان في صف الرئيس محمد نجيب.. الانقسام كان خطيرا  للدرجة التي تحركت فيها قوات من سلاح المدرعات «الفرسان» لتحيط ببيت محمد نجيب لحمايته من أي محاولة للنيل منه، ومن حولها تحيط قوات من المشاة لتحاصر «نجيب» ومن معه من الجيش.

كان ضباط المدرعات يخافون من أن تكون استقالة نجيب هي بداية لسلسلة من انقلابات عسكرية تقع فيها مصر؛ على غرار ما كان يحدث في سوريا بذلك الوقت.

كانت التظاهرات التي تطالب بعودة «نجيب» عارمة، ليست في مصر فقط، ولكن في السودان أيضا الذي هدد بالانفصال وخرجت تظاهرات تقول «لا وحدة إلا مع نجيب». خشي مجلس الثورة من انقلاب الشعب عليهم، وقرروا عودة نجيب.

قرارات 5 مارس 

ومع عودة نجيب؛ خرجت تظاهرات كبيرة أيضا احتفالا بعودته؛ ثم اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارات  5 مارس الشهيرة، التي تنص على عودة الأحزاب والحياة البرلمانية، وإلغاء الأحكام العرفية، ومناقشة مشروع الدستور الجديد.

 طالب «نجيب» بتشكيل حكومة مدنية تشرف على الانتخابات الرئاسة، وأن يتحول مجلس الثورة لمجرد مجلس استشاري للرئيس.. وبالطبع تم رفض الاقتراحات باعتبار أن الثورة لم تنهِ ولم تحقق أهدافها وأهمها جلاء الإنجليز.

ويقدم أستاذ التاريخ «أحمد الملا» رؤية مختلفة؛ فلم تكن لدى «عبد الناصر» أو مجلس قيادة الثورة مشكلة كبيرة في الديمقراطية نفسها، بقدر ما يرى أن عودة الجيش لثكناته أو أن الديمقراطية نفسها، ستعيد القوى السياسية القديمة المؤيدة للملك وستضيع جهود الضباط الأحرار هباء بعد أن خاطروا بحياتهم.
تظاهرات 28 مارس

«وشعرت أنهم يدبرون شيئا في الخفاء».. يقول خالد محيي الدين.

ولم يمض وقت طويل وتحديدا في يوم 28 مارس عندما أضرب عمال السكة الحديد والنقل وسارت المسيرات تنادي «تسقط الديمقراطية» و«تسقط الأحزاب» ووقع جميع أعضاء مجلس الثورة بالرجوع عن قرارات 5 مارس.

«وقد اعترف لي عبد الناصر أنه أنفق 4 آلاف جنيها على هذه التظاهرات».. كما يقول خالد محيى الدين في مذكراته.

وهناك فريق ينتصر لهذه التظاهرات التي أدارها مجلس قيادة الثورة.. يقول  أستاذ التاريخ «جمال شقرة» كانت هذه التظاهرات لمصلحة الثورة وإنقاذها من محاولة الإخوان للالتفاف حول «نجيب».

الأيام الأخيرة قبل استبعاد «نجيب»

اجتمع مجلس قيادة الثورة كالعادة، واعتذر «نجيب» عن الاجتماع بسبب مرضه؛ فأصر الضباط على عقد الاجتماع بمنزل «نجيب» ووقع الجميع على الرجوع عن قرارات 5 مارس؛ باستثناء «محيي الدين» الذي تم عزله من مجلس قيادة الثورة فيما بعد.

هناك عاملان اعتمد عليهما «عبد الناصر» منذ ذلك الوقت لحسم هذا الصراع ؛ الأول هو قدرة عبد الناصر على السيطرة على الجيش وإقناعه بأن الديمقراطية خطر على الثورة؛ والثاني هو موازين القوى داخل مجلس قيادة الثورة، والتي كانت مؤيدة لعبد الناصر؛ وفقا لـ«الملا».

 بدأ «عبد الناصر» يحشد لرؤيته، ويقنع ضباط الجيش أن الديمقراطية ستكون خطرا على الثورة.

14 نوفمبر 1954

«في هذا اليوم قرر عبد الناصر إنهاء أزمة مارس تماما والتي اشتعلت بيني وبينه».. هذا ما يخبرنا به «نجيب» في كتابه «كنت رئيسا لمصر».

فعندما تحركت من بيتي بحلمية الزيتون إلى قصر عابدين؛ لاحظت أن الحرس الجمهوري لا يؤدي لي التحية العسكرية؛ ثم جاء «عبد الحكيم عامر» ليخبرني بأن «مجلس قيادة الثورة قد قرر إعفائكم من منصبكم».

«وخرجت من مكتبي في هدوء وصمت حاملا المصحف، في سيارة وحيدة إلى معتقل المرج ثم إلى فيلا «زينب الوكيل» حرم النحاس باشا.. قالي لي «عامر» أن إقامتي هناك لن تزيد عن بضعة أيام؛ لكنها تحولت إلى سجن مكثت هناك 29 سنة، حتى استعادها ورثتها، وأقمت في شقة خصصها الرئيس محمد حسني مبارك لي».

في نظر الدكتور «جمال شقرة» يخطئ من يظن أن هذا الصراع بين «نجيب» ومجلس الثورة، هو صراع بين الديمقراطية والديكتاتورية، بل مجرد صراع على السلطة بين الطرفين.

 



0
1
0
0
0
1
1

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال