لا أذكر تحديدًا متى فقدت القدرة على النوم العميق، ربما منذ عشر سنوات أو تزيد، كل ما أعرفه الآن هو إن عقلي يكتفي بالمناطق الضحلة من النوم، لا يكاد يتخطى المرحلة الثانية على أقصى تقدير، هذا إن كنت محظوظًا واستطعت أن أُسكِت شياطيني وأعبر الحاجز، أما في ليالٍ كثيرة -كليلتي هذه-  فإن الأرق يأتيني كزائر ثقيل الظل بلا مقدمات، أتخيله رجلًا قصيرًا سمينًا كريه الرائحة، يجلس إلى جانبي ويضغط على صدري براحتَي يديه، ويضحك!

قرأت مرة عن أسطورة إغريقية لباب صُنِعَ بلا مفتاح، كلما حاولتَ اقتحامه عنوة ازداد صلابة، كما الباب هكذا الأرق أيضا؛ كلما قاومته ازداد توحشًا وهمجية، كل ما سمعتَه يومًا عن تمارين التنفس أو التأمل أو الحديث الإيجابي للنفس هراء في هراء!.. «أنا كويس، أنا زي البُمْب، أنا زي الحديد!» قالها علاء ولي الدين، لكنه ظل نائما في العسل!

هي ليلة حارة رطبة من ليالي شهر أغسطس، استبد بي زائري اللئيم، وقد نفدت مني الأقراص المنومة التي يمنحني إياها صديقي الصيدلي، أو تصفها لي صديقتي طبيبة الأمراض النفسية، اعتدت الاستعانة بقرص أو اثنين لمواجهة نوبات الأرق، أو للهروب منها إن شئت الصدق، تدفعني المواد الكيميائية دفعًا إلى المناطق المظلمة من النوم، ظلام دامس بلا أحلام، يستمر لمدة ستِّ أو سَبْع ساعات، أصحو بعدها مستفيقًا نشيطًا، ولكن مع شعور بالذنب.. ترى لم أشعر بالذنب بعد أن أتعاطى المهدئات؟!

«الصلاةُ خيرٌ من النَّوم، الصلاةُ خيرٌ من النَّوم!» قال المؤذِّن.

كم وددتُ أن أُصلّي الفجر، السكون يجعلك تسكن، والصلاة تَصِلُك بما هو فوق، الكون مُغلّف بصمت مهيب منتظرًا إياك أن تصلي، ولكن هل تُقْبل لمثلي صلاة؟!

يجعلك الأرق تفكر فيما مضى، وتضع عدسة مكبرة على الأحداث والشخوص وعلى نفسك، ترى الإخفاقات والزلات والخطايا مرفوعة إلى الأُسّ مئة.. ويجعلك تفكر فيما هو آت؛ فلا تجد إلا الخوف! في لحظة تدرك أن الأرق ليس هو العِلّة الأساسية، بل هو ما يظهر من الجبل الجليدي العائم، وما خفي كان أعظم وأكثر ظلامًا.

«ثم قال الله: ليكن نور!» هكذا كُتِبَ في التوراة.

بدأ النور يزحف، دقائق وتشرق الشمس، وأنا واقف في الشُّرفة منتظرًا الوقت كي يمضي، تساءلت: هل يستطيع النور أن يدخل قلبي يومًا؟ قد تغلغل الظلام إلى جسدي حتى اخترق خلايا نخاع العظم، الفتور أصاب روحي، وذبُلت نفسي كوردة نُسيَت بين صفحات كتاب عمره ألف عام.. هل لو قيل «ليكن نور» سيكون نور؟

في هكذا ليالٍ طويلة، وبعد أن أفقد الأمل في النوم، وبعد أن أتأكد أن كل من في الكون نائم إلا أنا، أتمنى الانهيار، كم تمنيت أن يواصل الأرق ضغطه حتى تنتابني نوبة هلع، وتخترق معاناتي حاجزَ الكبت وكذبة «كل شيء على ما يرام» وتظهر عيانًا، لعل شياطيني تخرج معها ولا ترجع ثانيةً، ولكن الوغد اللئيم يعرف جيدًا ما يفعل، ولا يصل بي أبدًا إلى الانهيار، فيتركني على الحافة معلقًا بين اليأس والرجاء.

بعد ليلة طويلة من الصراع الغير منظور، تشعر بألم شديد في رأسك وعضلاتك، الأدرينالين لعنة الله عليه يعمل كمطرقة، هو انحراف واضح من انحرافات الطبيعة، تذكرت قول أحد أساتذتي في كلية الطب، قال: لولا الأدرينالين لانقرض البشر! لا أدري على وجه الدقة ما الشيء الرهيب الذي سيحدث للكون إن انقرض البشر، أو انقرضت أنا؟!

السابعة صباحًا، تثاءبتُ وهززت رأسي بعنف كي أطرد ما تبقى من قتلى معركة الليلة الماضية، تأملت وجهي بالمرآة، ازدادت التجاعيد عمقًا وازدادت الهالات تحت عينيَّ سوادًا، اغتسلت من العَرَق والهموم، ارتديت ملابسي في ميكانيكية وأخذت جرعتي اليومية من الكافيين، واحد من نِعَم الله على البشر.. نظرتُ إلى نفسي مرة أخرى في المرآة، وتظاهرتُ بأن شيئًا لم يحدث، أخذت مفاتيحي وارتديت قناعي الباسِم وتوجهت إلى عملي وأنا أدندن مع لحن مولاي سيد درويش: باب الأمل بابك يا رحيم!

تمـــت.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع.




1
1
1
0
0
1
0

شارك المقال