من منَّا - أبناء القرى - لم ينظر إليه ابن المدينة من علٍ، مشيرًا إليه بسبابته، قاذفًا في وجهه سؤاله الساخر «أنت منين يابني، انت أكيد من قرية أو عزبة، مش من المدينة نفسها».. وتنفرج أساريره إذا صدق حدسه وتوقعه، ثم ينصرف متأففًا منك، وتاركًا في نفسك ضحكته الصفراء.

من منِّا لم يسمع أنَّ صديقًا أو شخصًا ما، تقدَّم لفتاة يريد الارتباط بها ليعفَّ نفسه ويعفها، لكنَّه يقابل بالرفض سواء من الفتاة نفسها أو من أهلها، لا لعيب فيه، بل لأنه نشأ في بيئة ريفية وتربى على تقاليد القرية وعاداتها التي لا ترقى – في وجهة نظرهم – إلى المدينة! .. وكأن هذا الشاب نشأ في القرية الظالم أهلها أما الفتاة فتعيش في مدينة ابن خلدون «المدينة الفاضلة»!

من منَّا لم يكن له جار أو صديق لكنَّه انتقل إلى العيش في المدينة بعدما فتح الله عليه أبواب الرزق وفسحة العيش، أو لأنه أصبح في وضع اجتماعي أو علمي لا يناسب القرية، وحتى يتمتع بالخدمات والمصالح الحكومية المتوفرة كثيرًا إلى حد الترهل في المدينة، لكنَّها يندر وجودها في القرى والنجوع التي دائما ما تكون محط اهتمام كبير من المسؤولين فى وزارة الإهمال «إحدى الوزارات القديمة جدًا بقدم الوزارات الأخرى».

ثلاثة نماذج اجتماعية مختلفة كفيلة بأن تصنع عنجهية تقسم ظهر المجتمع.

النموذج الأول يخص أبناء هذا الجيل، ونظرتهم إلى بعضهم البعض؛ فابن المدينة الذي تربى منذ نعومة أظافره وفي مخيِّلته أنه أفضل من ابن القرية، وأذكى منه، وأن له ما ليس لغيره من الوسائل والخدمات الحضارية والتكنولوجية، في حين أنَّ ابن القرية - في نظره - مسكين يعاني الفقر والجمود والتخلف الحضاري، مع أنَّ الأخير لو أخذ نصف ما يتاح لابن المدينة من الخدمات سنجده مثلا من أعظم قارئي القرآن الكريم في العالم، -ولتراجعوا سجلات المقرئين-، سنجده من رئيسًا من أعظم الرؤساء وأكثرهم وطنية ودفعًا عن الوطن وحماية أراضيه -ولتراجعوا سجلات الرؤساء ونشأتهم-، سنجده عالمًا فذًّا يُشار إليه بالبنان في المحافل الدولية والعالمية، سنجد أن ابن القرية أو ابن الحي الشعبي أصبح كاتبًا أو أديبًا يحصد الجوائز الأدبية حصدا... إلخ، لكنَّ الأول - ابن المدينة- نشأ على غطرسة واهية ليس لها من الصحة أساس، ومع ذلك ستجده يوما ما أصبح وزيرًا مكلَّفا بإحدى الحقائب الوزارية في الدولة، لا لشيء سوى لأنَّ أظافره لا تزال ناعمة..

النموذج الثاني خاص بالجيل القديم الذي يخشى كلَّ جديد، ويحارب كلَّ محاولة لإنعاش المجتمع، ويقف دون ضخ حياة جديدة في عروقه، ظنَّا منه أنه بذلك يحافظ على مستقبل أبناء هذا الجيل –المتهورين طبعا- الذين لا يعرفون عن الحياة الواقعية شيئًا لأنهم صنعوا لأنفسهم واقعًا آخر على الإنترنت والفيس بوك..

النموذج الثالث خاص بابن القرية نفسه الذي غالبًا ما يشعر بالدونية وفقدان الثقة أمام ابن المدينة؛ لذا يحاول أن يثبت غير ذلك متنصِّلا من ريفيَّته وقرويَّته، ظنًا منه أنَّه بذلك سيصبح متحضِّرًا ومتمدِّنا!

بالطبع نظرات اجتماعية مختلفة تزداد تأصُّلا يومًا بعد يوم، لكنَّها ليست بالضرورة أنَّ تنطبق على كل من يقطن المدينة أو من يقطن نجعًا أو حيًّا شعبيًّا، في الوقت ذاته لا أحد يستطيع ينكر وجودها أو يتغاضى عنها، لذا فالمجتمع يحتاج إلى توعية اجتماعية جادة، وثقافة هادفة تسهم في تكوين فكرٍ قائم على احترام الذات والآخر، ساعتها نستطيع أن نعيد سابق ما افتقدناه..

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع.
 

 



1
0
0
0
0
0
0

شارك المقال