في العام الدراسي الماضي زميلة لنا كانت تسكن في شقة للطالبات بمدينة نصر، وفي منتصف إحدى الليالي اقتحم عليهن الشقة شاب مخمور من المنطقة، كسر الباب، ففزعن ولم يعرفن كيف يتصرفن، حتى إن إحداهُن قفزت من الشرفة لشدة خوفها.

تم السيطرة بعد ذلك على الأمر من بعض الرجال مرتادي إحدى المقاهي القريبة من المبنى، وتركن الفتيات الشقة فورًا.. كل واحدة لاجئة إلى صديقة أو زميلة لها، ومنهن من لم يجدن مكانًا يأويهن وسافرن كل إلى محافظتها.

رغم كل ما كنا نمر به كطلبه مغتربين، إلا أن الأكثر قسوة كان تعامل الآخرين معنا، ونظرتهم الدونية إلينا بأننا مجرد فلاحين، مقاطيع، قادمين من القرى مبهورين بأنوار المدينة، ومسببين لمدينتهم القاهرة كل هذا الزحام.
دعك من القاهريين. الفلاحون أنفسهم كانوا أيضًا يسخرون منا، مع كامل احترامنا للفلاحين طبعًا. زميلاتنا في فرع الجامعة في «تفهنا الأشراف» اضطررن للسكن هناك لأن المواصلات غير آدمية بالمرة والمسافة طويلة نسبيًا، فكان سكان القرية ينظرون إليهم نظرة دونية، ويظنون بهم السوء دائمًا، ماذا نفعل إذن؟ إننا طلبة علم أيها العالم، وغربتنا هذه - كما قال لي أحدهم يومًا - جهاد في سبيل الله.

القشة التي تقسم ظهر البعير لأي طالب مغترب، هي اللحظة التي تنفذ فيها أمواله، ويجد نفسه وحيدًا وسط كل هذا الزحام، وتضيق عليه القاهرة بما رحبت. هذا الضيق الذي وسعنا جميعًا وخلق لنا أصدقاءً كانوا يهونون بضعًا مما كنا نلاقيه.

فتذكر لي زميلة أنها كانت تسكن في شقة في الحي السادس بمدينة نصر، تؤجرها امرأة بالفرد (سمسارة)، وفي اليوم المستحق لدفع الإيجار، إحدى الفتيات لم يكن معها ما يكفي، فطردتها هذه السيدة بملابس البيت في الشارع، لولا أن زميلاتها جمعوا المبلغ وأنقذوا الفتاة.
الأمر ذاته حدث معي، حيث كنت أسكن في شقة يؤجرها زميل لنا في جامعة الأزهر - أذكر اسمه وشكله حتى الآن - كان يستخدمها كمشروع ربحي.. المهم، جاء في يوم وطلب الإيجار، ولو يكن هذا هو اليوم المستحق للدفع، ولم يكن معي ما يكفي من المال، قلت له انتظر للغد، فرفض، وطلب مني أن أخرج من الشقة فورًا.

فتاة كانت تسكن معنا في الشقة دفعت لي الإيجار إلى أن أرسله لي والدي في اليوم التالي. الغريب أني لا أتذكر اسمها، كذلك كان يقول شيخي «الحلوين دايمًا يتنسوا».. تركت الشقة بعدها أسبوعين تقريبًا لأني لم أتحمل الوضع، وكان لي مبلغ تأمين من المفترض أن أسترده، لكن هذا السمسار تهرب مني بشتى الطرق.

صديقة لي تقول: كنت أظن أن التحاقي بالكلية التي أحلم بها وإقامتي في القاهرة سوف يجعلني حرة، لكني تفاجأت بأنني مقيدة، غير قادرة على الحركة، المدينة كانت تحبسني من السابعة مساءً، ولست قادرة على زيارة أهلي وقت ما شئت، بل يجب تقديم طلب للحصول على إجازة قبلها بيومين على الأقل، تقول: في كل مرة كنت أشتاق إلى أمي أو أصدقائي، كنت أمط شفتاي كي لا أبكي، لكن روحي كانت تمتلئ بالدموع.

أذكر جيدًا زميلتنا في المدينة التي وقعت من على الدَرَج وكسرت ساقها واستغرق الأمر أكثر من يوم كي يأتي إليها أهلها، وصديقتنا التي أصابها المغص الكلوي، وزميلة السكن التي صدمتها سيارة أمام المبنى، والرابعة التي استغلتها صحيفة عدة أشهر وفي النهاية شردتها دون أجر ودون شهادة تثبت أنها تدربت في المكان، والخامسة التي كاد شاب أن يستغلها استغلالً يمس الشرف في أحد الأنشطة الطلابية، والسادسة التي وعدها أحدهم بالزواج ثم تخلى عنها بشكل مهين جدًا.

وأنا التي ظللت ثلاثة أعوام أتألم ولا أستطيع حضور محاضرتين متتاليتين، ولا أعلم السبب وتحملت كل سخافات الزميلات ونعتهم لي بالفاشلة، ومنذ أيام فقط بعد عدة تحاليل وفحوصات اكتشفت سبب الألم العضوي.. بعد ما عانيته من الجامعة والغربة أتعالج من الاكتئاب.

قد تبدو الآلام مختلفة وأسبابها متباينة، لكننا جميعًا كنا نئن لسبب واحد، أننا كنا وحيدين.. وحيدون جدًا.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع.
 




3
9
0
0
0
2
0