لم ير أحد تلك الفتاة إلا وتبسم قلبه عند رؤيتها، كانت مرحة ذات وجه بشوش يشع بالأمل والبراءة.. لم تكن تأخذ الحياة على محمل الجد أبدًا، وإن عاندتها الأقدار مرة كانت تبكي كطفلة صغيرة وبمجرد أن يربت على كتفها أحد كانت تهدأ في الحال وتعود لحيويتها من جديد.

كبرت تلك الفتاة حتى وصلت إلى المرحلة الثانوية، تلك المرحلة التي لطالما كانت تنتظرها بشغف كي تُحقق حُلمها الوردي التي كانت تحلم به منذ صغرها وهي أن تصبح طبيبة صيدلانية يحكي العالم ويتحاكى عن براعتها في عملها وتفوقها.

كانت دومًا تُحدث أسرتها وأصدقائها عن هذا الحُلم الجميل وتصف لهم المستقبل الواعد الذي ينتظرها وتخبرهم مازحة: أنا لن أمتلك صيدلية واحدة بل سأمتلك سلسلة صيدليات مكتوب على كل منها «إحدى صيدليات الدكتورة ***»

اجتهدت تلك الفتاة وذاكرت بكل جهدها.. لم تنس يومًا حلمها وكانت تسعى إليه بكل شغف لم تكل ولم تتكاسل .. يشهد لها معلموها بتفوقها واجتهادها وكان الجميع يعرف عنها أنها طالبة متفوقة حيث كان اسمها حاضرًا دومًا في حفلات تكريم المتفوقين ومسابقات أوائل الطلبة.

دخلت الفتاة في فترة الاختبارات وأبلت بلاءً حسنًا وكانت راضية عن أدائها في كل المواد، وقضت إجازتها في سعادة وتفاؤل حتى حان وقت إعلان النتيجة وكانت المفاجأة! حيث أنها من أول نظرة علمت بأن حلمها أصبح هباءً منثورًا.

لم تحصل تلك الفتاة المسكينة على النسبة التي كانت تطمح إليها حيث كانت أقل بدرجتين مئويتين فقط من النسبة المرغوبة ولم يكن هناك أي أمل في التحاقها بكلية الصيدلة ولو حتى بمحافظة بعيدة خصوصًا أن تلك السنة كان تنسيق الجامعات مرتفع جدًا..

بالطبع انهارت الفتاة بالبكاء ورأت نفسها وهي تدفن حُلمها بيديها ولم يفلح أحد في مواساتها ومضت في طريقها واختارت كلية أخرى ولكنها التحقت بها على مضض ومنذ ذلك اليوم وهي لا تطمح إلى شيء خِشية من أن يُكسر خاطرها من جديد وصارت تعيش اليوم بيومه دون أي شغف للمستقبل ولكنها تخرجت بتقدير لا بأس به.

عملت تلك الفتاة بعد تخرجها وبمجرد أن وجدت سوق العمل لا يعترف بالمادة الدراسية التي درستها وأن طبيعة عملها ليس له أي صلة بما درسته من قريب أو من بعيد وهذا هو حال أغلب مجالات العمل وحال كل الخريجين .. ندمت على حزنها المفرط الذي انتابها عند ظهور نتيجة الثانوية وودت لو أخبرت كل أولئك الطلبة الذين يظنون بأن مجموعهم في تلك المرحلة هو الذي سيحدد مستقبلهم بأنهم مخطئون وأن هذه مجرد حماقات توارثتها الأجيال ليس لها أي أساس من الصحة.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع.
 

 




2
5
0
0
0
0
0