لا بد أن كل منا يحتفظ بين ثنايا عقله بزاوية خاصة تحتوي على سجل مدون به أهم اللحظات وأجملها التي قابلتها في حياته، ودائمًا ما تكون تلك الأحداث قليلة وبسيطة في ذات الوقت، لكنها تترك أثراً عميقاً في الروح.

لا بد وأنه يداعب مخيلتك الآن ويبدأ بالانسياب الهاديء إلى خلايا عقلك فتبتسم ابتسامة حالمة وأنت تقرأ هذه السطور.

لا شك أن خفقات قلب فتاة ما وهي تصغى إلى أبيها الذي يتحدث مع الشاب الذي غرقت في حبه منذ زمن وهما يتفقان على تفاصيل الزواج؛ وتلك القشعريرة التي اجتاحت جسدها كله حينما عانقت دبلته إصبعها الأوسط في حنان، وابتسامة شاب ما وهو يرنو فتاته التي طالما حلم بها منذ نعومة أظفاره واقفة في المطبخ لتعد له ألذ وأطيب طعام بكل حب واهتمام غير مصدق أنها قد صارت زوجته، أصوات طفله الأول وهو يداعبه في مرح بعد ولادته بأيام قلائل، أحداث كهذه وغيرها قد اتخذت مكانها في ركن قصيّ جدًا داخل عقلك، ركن خاص قد تلجه في بعض الأحيان فقط لتستعيد بعضًا من تلك المشاعر المفقودة .

وبعد مرور عدة سنوات على ذلك الزواج نختلس النظر إلى هذه الأسرة الصغيرة لنجد أن الأم وحدها في المنزل ترعى الصغار بينما الأب في مكان آخر وقد انفصلا منذ زمن طويل بعد احتدام المشاكل بينهما..

منحنى عجيب جدًا تبدأ به قصتنا وهو في أعلى مستوى له ثم يتناقص تدريجيًا حتى يصل إلى مستوى متدنِ جدًا لا يقارن إطلاقًا بمستوياته الأولى؛ وتنطلق أصوات خبراء العلاقات الأسرية في كل مكان لمناقشة ظاهرة الطلاق المتزايد، وتبدأ المحاضرات والدورات هنا وهناك والتي تؤهل الشاب والفتاة إلى حياة زوجية مستقرة، والتي لا أقلل أبدًا من أهميتها بل هي ضرورية جدًا لكلا الطرفين.

دعونا نختصر كل ما سمعت أو قرأت في سببين أساسيين لهبوط منحنى الحب الذي بدأ متوهجاً متصاعدًا في مستوى رهيب ليهبط إلى أقصى درجاته بعد عدة سنوات من الزواج.

1- إرادة النكد: ذلك الاختراع السحري الذي أورده د. أحمد خالد توفيق على لسان بطل قصصه الشهير (رفعت إسماعيل) ؛ إنه ليس كلام روايات، بل هي موجودة بالفعل بقدر ما داخل كل منا، فالإنسان متقلب بطبعه، والقلب يسمى قلبًا لكثرة تقلبه، ونحن كمصريين بصفة عامة نتوارث ثقافة النكد والخوف من المجهول جيلاً بعد جيل، حتى إذا انتابتنا بعض السعادة فإن تلك الأخيرة لا تكون خالصة، بل هي سعادة يشوبها بعض القلق من المجهول وأن مكروهًا ما سيحدث في المستقبل ليقضي على كل شيء، بل إن كل منا يحتفظ بما يشبه «الصندوق الأسود » داخل عقله يحوي ما مر به من أحداث مؤلمة وبالتواريخ .

ومن أشد العلامات التي تدل على ذلك هو جملتنا الشهيرة «اللهم اجعله خيراً» إثر تحقيق حلم ما والشعور بالمرح الشديد؛ وكلنا تقريباً قد نستيقظ في صباح ما بمزاج متعكر يميل إلى الشجار ولا يطيق رؤية أحد على الرغم من عدم وجود سبب لذلك بل وقد تكون حياتنا مستقرة لفترة كالنهر الهاديء، لكنها إرادة النكد أو غريزة النكد – اللعينة التى تأبى أن تتركك وشأنك اللهم إفساد حياتك ورضاءك الداخلي عن نفسك .

2- في مجتمعنا تنتشر ثقافة عجيبة جدًا، فالفتاة إذا بلغت سن الزواج وأصبحت قادرة على الإنجاب فلا مانع من تزويجها على الفور، والشاب كذلك طالما يمتلك القدرة المادية، ويتزوج الاثنان لتبدأ المعاناة، فهو لا يعرف من الرجولة إلا أن كلمته لا بد وأن تسري على كل شيء وكل شخص، وأنه مادام لا يقصر في متطلبات المنزل المادية فلا يحق لزوجته أن تشكو.

بينما هي تتصيد الأخطاء له في كل كلمة، وتأبى أن تلزم الصمت حينما يغضب بل ولا بد أن ترد عليه ردًا يفحمه، وتفعل الأفاعيل لإغاظته فحسب.

ناسين أن كل ما سبق من عند وغيظ وانفعال – وغيرهم كثير – كل ذلك ليس من ديدن زوجان ناضجان، إنها تصرفات أطفال تشي بقدر هائل من الطفولة في معاملاتنا وأخلاقنا، صحيح أنهما جسمانياً ليسا طفلين، لكن العقل يفصح عن نضجه هو الآخر؛ مجرد اثنان مؤهلان للزواج من الناحية النظرية تزوجا لتظهر أخلاق الأطفال التي تنعكس على حياة كل منهما بل وحياة أطفالهما كذلك، فعدم نضج الزوجين بدرجة كافية يؤدي إلى اشتعال الأمور، ومشكلة صغيرة كان يمكن أن تنتهي في دقائق فقط لو لاذ أحدهما بالصمت بدلاً من تعمد الردود المستفزة ليتصاعد إيقاع الشجار إلى مرحلة خطيرة جدًا قد تؤدي إلى الانفصال نهائيًا، فبعض التنازل عن العناد والتحدي قد يئد مشكلة ما في مهدها قبل أن تتأجج ناراً وكل ذلك لا يكون إلا بالنضج العقلي، وهو ما لا يتوافر في قطاع كبير من الشباب للأسف .

أشياء كهذه تؤدي وبقوة إلى انخفاض منسوب الحب إلى أدنى مستوى له لينطلق الإنذار ويعلن الضوء الأحمر عن الخطر.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع.
 

 




7
2
0
0
0
0
0