مالطا؛ دولة أوروبية صغيرة تتحدث باللغة العربية. فعندما تستمع إلى اللغة المالطية ستلتقط الكثير من الكلمات العربية التي ستجذب انتباهك وتثير استغرابك؛ حتى وإن كانت تنطق بلهجة أوروبية، فثلث الكلمات في اللغة المالطية، هي كلمات عربية.

في اللغة المالطية ستستمع إلى جمل مألوفة، مثل «الليلة الطيبة» وتعني مساء الخير أو طابت ليلتكم.. و«يسمني..» بمعني اسمي (كذا) و«فين؟» بمعنى «أين؟».

ستتعجب أكثر عندما تعلم أن المالطيين يفتخرون بهذه الآثار العربية في لغتهم، ويعتبرون أن مدينتهم هي حلقة الوصل بين الثقافات الأوروبية والعربية.. فما قصتهم؟

هناك نظريتان تفسران دخول اللغة العربية إلى مالطا وهما:

النظرية الأولى: الفاطميون واللغة العربية في مالطا

الحكاية تعود لأيام الخلافة الفاطمية، التي حكمت صقلية في القرن التاسع الميلادي. قدم الفاطميون من بلاد المغرب الغربي، وأحضروا معهم اللغة العربية؛ وأطلقوا على هذا البلد الصغير، إمارة صقلية.

وعندما جاء القرن الحادي عشر الميلادي، وتحديدا في عام 1049 كانت اللغة العربية قد انتشرت في صقلية بسبب العرب المهاجرين، وبدأت تظهر مجتمعات تتحدث العربية في حياتها اليومية.

لكن هؤلاء المسلمين ولغتهم العربية لم يكتب لهم البقاء طويلا؛ ففي العام 1091 خاضت قبائل النورمان الأوروبية حربا للاستيلاء على جنوب إيطاليا ومعها صقلية واستطاعت أن تضمها إلى حكمها.

وفي خلال هذه الحرب انقسم المسلمون هناك؛ فمنهم من فضل البقاء في صقلية، ومنهم من هرب إلى جزيرة مالطا القريبة واستقر بها حتى بعد سيطرة النورمان عليها أيضا.

مرت سنوات طويلة حتى سقط حكم النورمان، لكنه لم يكن خبرا جيدا للمسلمين في صقلية أو مالطا إطلاقا؛ فالحكم الجديد كان دينيا كاثوليكيا متطرفا، وعمل على طرد جميع المسلمين.

اللغة العربية تراجعت بصقلية، أما في مالطا البعيدة بعض الشيء عن أعين الحاكم، فقد ظلت اللغة العربية حية لفترة طويلة بين أبنائها من المسيحيين.

أحد مؤيدي هذه النظرية هو أستاذ اللغة العربية بجامعة مالطا «مارتن زميّت» الذي يقول - في فيديو وثائقي - إن اللغة المالطية انحدرت من اللغة العربية، بسبب تواجد العرب القديم في مالطا، حتى إن اسم عائلته «زمّيت» هو اسم لعائلة عربية ترجع أصولها إلى ليبيا، وهي من العائلات المنتشرة في مالطا.

  • ماذا حدث للغة العربية في مالطا؟

لم تكن هذه الأحداث التاريخية بعيدة عن تطور اللغة فبعد أن طُرد المسلمون والعرب من مالطا، انقطعت اللغة عن منبعها الأصلي، وبدأت تتأثر باللغات الأوروبية التي حرفتها كثيرا عن مسارها.

كان التأثير الأول هو اللغة الصقلية، فقد خضعت مالطا لقرون طويلة للحكم الصقلي وتأثرت بلغته القريبة من الإيطالية.

ومع العام 1530 حكم البلاد «فرسان مالطا» الذين أسسوا للحكم الديني الكاثوليكي، واعتبروا الإيطالية لغة رسمية لمدة لأربعة قرون.

وبعدها تعرضت مالطا للاحتلال الفرنسي ثم البريطاني، تأثرت لغتها العربية بهاتين اللغتين أيضا ولكن بنسبة أقل.

كل هذه الأسباب أدت لتكوين لغة مختلفة في النهاية، وهي اللغة المالطية، وهي في الأصل لغة عربية في أساسها وقواعدها اللغوية، ممزوجة بالكثير من المفردات الأوروبية وطريقتها في النطق.

النظرية الثانية: هل المالطيون هم أحفاد الكنعانيون؟

وجود العرب في مالطا ومع التقلبات السياسية الكثيرة، لم يكن بهذه القوة التي تجعل اللغة المالطية متأثرة بالعربية بهذا الشكل الكبير، حتى وإن اختفت الكثير من المفردات العربية وانحسرت للثلث فقط، لكن تظل قواعد اللغة وبناء الجملة، عربية في الأساس.

هنا تظهر نظرية أخرى يقدمها علماء اللغة والآثار، الذين يقولون إن الفينيقيون كانوا أوائل الشعوب التي استعمرت مالطا منذ القرن السابع قبل الميلاد.

الفينيقيون جلبوا معهم معبوداتهم وطقوسهم، ففي مالطا، عبدت الإلهة عشتار والإلهة بعل، وهي من آلهة الكنعانيين أو الفينيقين؛ وجلبوا أيضا لغتهم الفينيقية.

واللغة الفينيقية هي لغة سامية من نفس عائلة اللغة العربية، وتتشابه مع اللغة العربية القديمة؛ وفقا لأستاذ الآثار بجامعة مالطا «أنتوني بونانو».

أصحاب هذه النظرية يقولون أن التواجد العربي في مالطا كان لمدة مائتي عام فقط، وهي مدة قليلة جدا لكي تتأثر بها اللغة المالطية، وتظل محتفظة بلمستها العربية رغم كل هذه التأثيرات الأوروبية، إلا إذا كانت المالطية في الأساس لغة سامية تتشابه مع العربية إلى حد كبير.

هل يفهم العرب اللغة المالطية؟

السؤال الذي قد يتبادر إلى ذهبنك الآن هل أستطيع أن أفهم اللغة المالطية باعتبارها تحتوي على الكثير من الكلمات العربية أو السامية؟

عندما تستمع للغة المالطية، قد تلتقط القليل من الكلمات العربية أو ستشعر أنها لغة قريبة من اللهجة العربية التونسية كما وصفها بعض من استمعوا إليها.

لكنك لن تستطيع فهم أي حوار باللغة المالطية كاملا؛ إلا إذا كنت متقنا للغة الإيطالية أو على الأقل اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، وذلك بسبب غلبة هذه الكلمات الأوروبية على العربية.

  • نسبة اللغات المختلفة في  المالطية

السبب الذي يجعل فهم اللغة المالطية بشكل كامل، صعبا لدى متحدثي العربية، هو ما تبقى من هذه اللغة العربية أو السامية؛ فثلث الكلمات في اللغة المالطية هي كلمات عربية، سواء ظلت تسخدم بنفس النطق أو تحرف نطقها قليلا.

أما نصف الكلمات المالطية، فيعود للغة الإيطالية والصقلية، والباقي من أصل فرنسي أو إنجليزي.

كلمات عربية في اللغة المالطية

عندما تشاهد اللغة المالطية ستحتار كثيرا في هذا المزيج العجيب، فهي أولا تكتب بحروف لاتينية، مثل جميع اللغات الأوروبية الآن، الإنجليزية والفرنسية والإيطالية.. إلخ.

كما أن اللغة المالطية تمزج بين الكلمات الأوروبية والعربية مثل:

« Ministru tas-sahha»: تعني وزير الصحة ، فكلمة «Ministru» تعني وزير و«ssahha» كلمة عربية تعني الصحة.

وقد تستخدم المالطية كلمة عربية ولكن بتغير المعنى مثل:

«Grazzi Haffn»: تعني شكرا جزيلا، فكلمة «Grazzi» مأخوذة من الكلمة الإيطالية «Grazie» وتنطق «جراتسي» ومعناها شكرا، و«Haffna» هي كلمة «حفنة» العربية، وتعني هنا كثيرا.

أما في اللغة العربية فـ«حفنة» تعني في الأصل كمية بقدر كف اليد، وتغير معناه في المالطية لتعني «كثيرا».

وقد تستخدم المالطية جملًا عربية صرفة مثل:

«Kemm ghandek zmien» وتنطق: «كِم عِندك زِمين»؟ أي «كم عمرك»؟

كما أن الأرقام جميعها في المالطية وأعضاء الجسم ومفردات الطبيعية باللغة العربية.

يمكنك أن تشاهد الكثير من الكلمات العربية في اللغة المالطية.




5
1
0
0
0
0
1

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال