في موروثنا الثقافي ترتبط كلمة «لا» بأفعال نعتبرها سيئة في ذاتها، فالعصيان والتمرد هي ألفاظ تشير إلى معاني منبوذة ترفضها أعماقنا مهما حاولنا الارتقاء فوقها.

حرفان فقط كانا كفيلين بإعلان الحرب عليهما منذ فجر التاريخ، وعانى على إثرهما كل من حاول تغيير السواد الأعظم من المجتمع المستسلم لـ«نعم»، بوصفه الخيار الأكثر أمانًا ثم ما لبث أن تحول للخيار الوحيد. أراد جاليليو قول «لا» أمام فكرة دوران الشمس حول الأرض فاعتبروه مجنونًا وحكموا عليه بالإعدام، وبدورها عانت المرأة المصرية كثيرًا قبل التخلص من عقدة «سي السيد» رغم استمرار هذه الرؤية بوضوح في الصعيد والريف، وبشكل مستتر في المدن.

قبل أقل من 60 عامًا كانت المرأة الراغبة في العيش بلا زواج عانس أو «معيوبة»، والمتطلعة لتكريس حياتها من أجل العمل ساقطة، رغم أن السنوات التالية أثبتت أخيرًا أن المرأة كائن حي بإمكانه الاختيار، وبإمكانه النجاح في هذا الاختيار دون طاعة أوامر المجتمع الذي يرى كل خروج عن «نعم» مستحق للمقاومة.

هذه بالضبط المعضلة، كانت «نعم» هي السائدة دومًا فقط لأنها- في نظر الإنسان- ارتبطت بمعاني راقت له مثل الاستقرار والتوافق والتأييد، وهي نظرة أغفلت أن الأول لا يعني بالضرورة السلام، بل كثيرًا ما يتخلله السكون الذي يفوح برائحة الموت والنهاية، تمامًا مثل المرحلة قبل الأخيرة من نهاية الدول التي لم تتطور والإمبراطوريات الكبرى التي وصلت لأقصى اتساع لها، وأغفلت كذلك أن المعنى الثاني قد لا يعدو سوى أنه مؤشر على اتفاق المجتمع حول القضايا لأن كل واحد يراها وجهة نظر الجميع، وأن الثالث لا يكون مطلوبًا في كل الأوقات، بل أحيانًا يكون اختيار عدم التأييد هو في حد ذاته تأييد وانتصار للإنسانية أو الوطن.

الأمر لم يتوقف عند القضايا الكبرى مثل الحرية والمساواة وغيرهم، ففي ألفيتنا الثالثة، لم تعد المشكلة عند جماعة «نعم» بقدر ما هي عند جماعة «لا»، في وقت نرى حركات استقلالية في العالم الشرقي والغربي على حد سواء(كاتالونيا وكردستان مثلًا)، ولم تعد لغة العنف هي اللغة المسيطرة، حتى صار الحوار والتفاوض حلًا مبدأيًا تطمح له الجماعتان(الـ«نعم» والـ«لا») اللتان تتمتعان بتأييد دولي وإعلامي لكل منهما. ولو نظرنا على مستوى الأسرة نرى جيل الأبناء يتحدث عن كل شيء، يناقش ويهاجم ويعترض، دون أن يلقي مصير من سبقه بعشرات السنين وقتما كان الأب هو الآمر الناهي الوحيد، لكن اليوم في عصر العولمة، لم يعد المنع هدفًا قابلًا للتحقق، ونلحظ ذلك من حملات التوعية التي باتت تحذر من الانغلاق وتنصح بمنح الأبناء الحرية ليكشتفون بأنفسهم العالم المحيط بهم.

لكن ماذا بعد؟ هل وصل الإنسان لقمة حريته بهذا الشكل؟ للأسف فإن جماعة «لا» لم تحسن التصرف في عدة أمور، ونسى مؤيدوها أن التمرد ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة للنضال من أجل هدف أسمى يعود بالخير على الجميع، أولهم جماعة «نعم».

أفراد جماعة «لا» لم يتخطوا بعد مرحلة التمرد رغم أنها كللت بالنجاح منذ زمن، والأسوأ أنهم لم يتخلصوا من تأثير «مجتمعهم» عليهم. إذا كان المؤثرون «influencers» يظهرون عبر السوشيال ميديا، فليتحول الجميع لمهنة «كاتب البوستات»، وإذا كان من تحول للعمل الحر وريادة الأعمال حقق النجاح، فليتبعه الجميع وإلا اعتبر من لم يفعل تقليديًا ساذجًا.

في مجتمع «لا» أنت غير مرحب بك لأنك لست ثوريًا عشوائيًا بالقدر الكافي ولأنك حصلت على مجموع كبير في الثانوية العامة ولأن حلمك يكمن في الطب والهندسة بدلًا من البرمجة والتكنولوجيا.

تصنيف الأحلام قد يكون أسوأ ما جلبته لنا هذه الجماعة، التي يتحول أفرادها تباعية بالانصياع لهم ولتجاربهم، رغم أن التجربة الذاتية هي الحكم، لكن يبدو أن غريزة الخوف عاودت الظهور من جديد بعدما انتفت من جماعة «نعم».

هذا الخوف هو الذي يدفعك لإشغال وقتك بأكبر كم من الأعمال والأصدقاء والنشاطات حتى لو لم تجد فيها ما يعبر عن هويتك فعلا، لأنك لا تعرفها على الأرجح ولأنك لا تسعى لمعرفتها. كم مرة قلت إنك تريد قضاء الوقت أمام البحر وحدك حتى تشعر بالسعادة الكاملة وتنسى همومك؟ إنك ذهبت وعدت ولم تشعر بالسعادة ولم تنس شيئًا، لحظات السكون هذه هي إشارات إرادتك الملوثة بحكم الانتماء لإحدى الجماعتين، تخبرك بأن هناك خلل ما.

 يقول روسو «إن حرية الفرد لا تكمن في أنه يستطيع أن يفعل ما يريد، بل في أنه لا يجب عليه أن يفعل ما لا يريد»، قوة اختيار «لا» لم تكمن يومًا في مجرد الرفض، بل فيما بعد الرفض، ترفض لتحقق النجاح، ترفض لأنك مؤمن بوجود طرق أخرى غير المفروضة عليك، قوة «لا» لم تكمن يومًا في مجرد الرفض بل في الرفض لأنك تعرف ما تريد أن تفعل والأهم، أنك تعرف ما لا تريد أن تفعل.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع




8
8
1
0
0
0
0