بين ليلة وضحاها استيقظ الأب، ليجد نفسه في وضع مادي لايسمح له بدفع إيجار شقته بتلك المنطقة متوسطة المستوى، ولم يعد قادرا على الإيفاء بمصاريف أبناءه لمدرستهم الخاصة، بل قد يجد صعوبة في توفير احتياجاتهم الأساسية من طعام وشراب، لتصبح أسرته فاقدة للقدرة على البقاء في طبقتها المتوسطة، ويفرض عليها الإنحدار إلى الطبقة الدنيا، ليجدوا أنفسهم يخرجون من شرائح الطبقة المتوسطة، ليضحوا هم «الفقراء الجدد».

نتج عن التغيرات الاقتصادية التي حدثت خلال الفترة القصيرة الماضية، كأحد نواتج القرارات الاقتصادية التي أتخذتها الحكومة، برفع الدعم وتحرير سعر الصرف، وما واكب ذلك من انخفاض قيمة الجنيه المصري وارتفاع كبير متتالي في أسعار السلع الأساسية خاصة الغذائية منها، شريحة مجتمعية جديدة عرفت بـ«الفقراء الجدد»، وهم أبناء الطبقة المتوسطة الذين إنحدروا بسبب التغيرات الاقتصادية الحاصلة، إلى الطبقة الدنيا الفقيرة.

يتميز أفراد تلك الشريحة المجتمعية الجديدة، بأنهم مزيج من سيكولوجية الطبقة المتوسطة والطبقة الدنيا، من حيث كونهم يتمتعون بالاتزان النفسي والرقي السلوكي والتعاملاتي، ومستوى جيد من الفهم والوعي الناتج من التعليم الجامعي والثقافة، في حين أن مستواهم المادي المحدود يدفع  بسيكولوجيتهم نحو عبودية "لقمة العيش"، تلك العبودية المقنعة التي تسود في الطبقة الدنيا، وتظهر خطورتها جليا، في «الفقراء الجدد».

ويعتبر أبناء شريحة «الفقراء الجدد»، من أكثر طبقات المجتمع معاناة، وذلك لكونهم غير قادرين على العيش كفقراء، وثقافتهم ومستواهم الفكري والتعليمي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، فأضحى الوعاء المادي المحدود لهم، يحاصر سيكولوجيتهم، ومن ثم يضغطهم أكثر، ليعانوا من اضطرابات اجتماعية ونفسية، حيث لايرضون نفسيا بأن يكونوا فقراء، وفي نفس الوقت هم غير قادرين على البقاء ضمن طبقتهم المتوسطة.


 

في حين أن الفقراء الجدد، ظهروا ويتزايدون يوما بعد يوم في غفلة من الجميع، سوء المؤسسات الرسمية أو مكونات المجتمع بكل فئاتها وأطيافها وتواجهاتها، فأنهم يزدادون تواجدا وتأثيرا لأن يصلوا إلى تمثيل تهديد مباشر لاستقرار المجتمع، بتأكل الطبقة المتوسطة التي تعرف بأنها صمام الأمان لأي مجتمع، ومن ثم تتصادم طبقات المجتمع، المحرومة منها مع تلك الغنية المالكة، بما يشكل انهيار للمنظومة الاجتماعية وتهديدا لأمن مواطنيها سواء النفسي أو المجتمعي والحياتي.

الفقراء الجدد، بخصائصهم وصفاتهم التي سردناها، تشعر الكثير منا بأننا ننتمي لتلك الشريحة،  ونعاني معاناتها في عبودية لقمة العيش، والتي توغلت بشكل كبير خلال الأونة الأخيرة على سيكولوجية الإنسان المصري، كما أننا نضج كفقراء جدد بالغضب ومشاعر الرفض لظروفنا المحيطة وأوضاع مجتمعنا، التي أوصلتنا إلى هذا الحال، باحثين عن مخرج وننتظر الحل لوضعيتنا الجديدة، يخرجنا من ذلك الصراع النفسي والاجتماعي، قد نجده في المستقبل القريب، وربما فيما أبعد من ذلك بكثير، إلا أنه المؤكد، إذا لم يأتي، سيكون البديل بأيديهم من انفجار في وجه المجتمع ككل، ولن يعودوا إلا بإسقاطه انتقاما من الظروف والأوضاع المحيطة.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع

 



1
0
0
0
0
0
0