الهجرة هجر،

الهجرة جفاء،

الهجرة ضعف.

في الستين عام الأخيرة زادت موجة الهجرة بقوة حتى يكاد يكون كل الشباب قد راودته هذه الفكرة ربما يكون من سوء الحال الاقتصادية هو السبب الأول على الأقل في نفس المدة بداية من الخمسينات وحتى الآن إلا فيما يخص هجرة اليهود المصريين عنها في عهد جمال عبدالناصر فيتجلى السبب الاقتصادي معلنا عن شبه تفرده ويليه أسباب أخرى أقل تاثيراً لكن تضافرها ينتج أزمة مثل تدهور التعليم وكذلك الصحة والتثقيف لكن لو ركزنا على الجانب ذو التاثير الأكبر وهو الاقتصادي سنجد أن مصر قد مرت بفترات شهدت فيها مجاعات حتى أن الناس أكلت فيها الكلاب بل أكلت الناس بعضها حرفياً حسبما يؤرخ لنا المقريزي في كتابه كشف الغمة باغاثة الامة ما نصه «في عهد المستنصر....واكلت الكلاب والقطط حتى قلت الكلاب فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير . وتزايد الحال حتى اكلت الناس بعضهم»، «وأحتاج المستنصر حتى باع حلية قبور ابائه .وجائه الوزير يوماً على بغلته، فأكلتها العامة ، فشنق منهم، فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم»

أذن السبب الاقتصادي يمكن التغلب عليه وأعتقد أن الآن أفضل من المجاعات التى عاش فيها ابن النفيس في القاهرة وفي حالتها الشبيه بوصف المقريزي وأنتج مصنفاته العظيمة في مجالات عدة كان هذا أثناء فتره المجاعة في مصر ولم يتركها ويهاجر الى أي بلد اخر كالعراق مثلا فإنها كانت آمنة من المجاعة حينها.

لكن المستغرب أن في بلادنا التى تحتاج إلى شبابنا ليعيدوا لها مجدها ورونقها بصقل ما تكون عليه وتأتي السلطة التشريعية في الثمانينات بالتحديد في 1983م أصدرت قانون الهجرة وفيه أعطت امتيازات للمهاجر منها مثلا الجنسية له ولأولاده وأولاد أولاده مهما نزل وإعفاء من أداء الخدمة العسكرية كأننا نشجع شبابنا على هجرة وطنه لكن نلتفت الى نقطة مهمة هي أن هذه الدول لا تستقبل مهاجرينا الدائمين إلا الشباب أو من سيقدم لها الفائدة الكبرى فهي لا تأخذ العاله على المجتمع أي كانت السبب (عجز،طفولة،كبر سن....).

حتى الدول (غير المتقدمة أو التى تحولت غير متقدمة )تطلب شروط للهجرة الدائمة فالهجرة الدائمة يتبعا التجنس وبالتالي أنت تفقد قوتك المتمثله في شبابنا المتميز القادرين على البذل والعطاء وكل شئ ويبقى لك العناصر غير المتميزه التى لن تقدم نفعاً أكثر مما كانت ستقدمه الفئه المهاجره فلو نظرنا في قانون الجنسية المصري للتدليل على أنهم لا يعطون الجنسية إلا للقادرين على البذل والمتميزين يشترط قانون الجنسية المصري في شروط التجنس القائم على الاقامة الطويلة في مصر(10 سنين) أن يكون طالب التجنس قادر على العمل إلى جانب شروط أخرى منها إلمامه باللغه العربية...

أما الشرط الذي يهمنا أن يكون قادرا على العمل ولا يكون عالة على المجتمع وهو شرط جوهري ويتكرر في كل دول العالم لأنه لاتوجد دوله عاقلة تستقبل مهاجرين دائميين لها يكونوا عالة غير قادرين علي العمل وبالتالي يطلبون بالجنسية حسب قانون الدولة أو يحصلون عليها بطرق قانونية لكن ملتوية مثل الزواج من وطني ويكونوا عاله على المجتمع وبالتالي تلتزم الحكومة بكفالتهم وبالتالي زيادة أعباء الحكومة والمجتمع الذي يدفع أفرداه الضرائب التي تمثل دخل الحكومة ومصروفتها.

حتى أن أحدهم يوما لجأ إلى حيلة ساذجة للحصول على لجوء سياسي (وهو أعلى من الهجرة لإنه يقدم رعاية مالية وغيرها وحراسة أن لزم الامر) فكتب كتاب بذئ ثم حمل أصدقائه على شكواه في النيابة حتى يدان وتحال القضية إلى المحكمة حينها سيطلب اللجوء السياسي بحجة أنه في بلد قمعي للإبداع حتى أنه عندما افرج عنه عرض على وكيل النيابة أن يعلن أنه -هذا الكاتب- مدان ولو أمام الصحفيين فقط فرفض وكيل النيابة آنذاك هو المستشار والروائي أشرف العشماوي.

نأخذ نوذجا مصريا هو د.محمد غنيم (م1939م) مدير مركز الكلي بالمنصورة الذي أوفد إلى انجلترا ودرس المنهج إلى أن جاء الامتحان إذا نجح فيه يعين بانجلترا وبالتالي يعيش في بلد متقدمة دائما أي يعتبر مهاجر وجائز أن يحصل على الجنسية بل ولقب السير كما حصل عليه المصري د.مجدي يعقوب أثناء عمله هناك لكن محمد غنيم لم يفعل ذلك كله لكنه عاد لمصر وعمل بها إلى ما هو عليه حتى ان انجلترا ترسل بعثة للدارسة في مركز الكلى بالمنصوره الآن.

ولما سئل د.يوسف زيدان (مولود1958م) عن من المنوط بهم تجديد الخطاب الديني أجاب بعدة أسماء من بينهم د.محمد غنيم وكان اغلبهم من خارج الازهر الشريف ودائرة المشايخ عموماً وله في هذا تفسير. ود.زيدان له مقال عن نفس موضوعنا، ومما يحسن ذكره أن يوسف زيدان وهو من أكبر مثقفي مصر والوطن العربي الآن أتم تعليمه كله في مصر حتى حصل على درجة الأستاذية في الفلسفة ولم يخرج لتلقي التعليم بالخرج الذي يعده البعض - التعليم بالخارج- فخر لا يضاهيه شئ ، لزيدان كتب تدرس من عشرين سنه في السربون وخاصة كتبه المتعلقة بالتصوف على يد المستشرق «ميشيل شوديكيفتش» ومؤخراً ترجموا روايتيه عزازيل والنبطي ويسعون لعمل كتاب عن الروايتين بتجميع الكتابات النقدية عنهم على يد ريشر جاكمون ليدرس لمادة «اصداءالتريخ الديني في الأدب العربي المعاصر» لعام 2013 ،وله إسهامات في ترميم التراث خاصة المخطوطات حيث أنشئ مركز لترميمها بمكتبة الإسكندرية بمعونة إيطالية فكان من أقوي المراكز في العالم في مجاله.

وأنتهي إلى ما أنتهيت به في الترنيمة أن الهجرة ضعف من صاحبها لإنه أستسهل واستهبل (اقتنص الفرصة). ولا أود الإنهاء إلا بذكر أبايات شعر -تتناص مع الحديث الشريف- ربما لم يرها من هاجروا من يود الهجرة للشاعر أحمد الشهاوي يقول:

ثم من:وطني

ثم من:وطني

ثم من:وطني

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع




0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال