لطالما أحببت الطير، فإذا رأيتها بادرتها بالحَب بيد ترتجف خائفة أن ترفض محاولة مني للتقرب إليها، فتقابلني هي بالصد والتجاهل لتشيح بأجنحتها بإشارة لا أفهمها وتتركني حيرى لتأكلني نارًا يشعلها سؤالًاً لا أجد إجابة له: لماذا ترفض ما تستيقظ لأجله وما هو محور حياتها-الطعام- وأنا أقدمه لها على طبق من فضة؟ لا أعتقد أن الطير تطمح لامتلاك شقة في أفخم المناطق في باريس، أو سيارة فارهة، أو حتى تأمين مستقبل صغارها بتكديس ثروات لا حصر لها في المصرف. بالطبع لا، فأحلامها منحصرة في الطعام فقط.

أمضيت وقتًا لا أحصيه حتى وجدت إجابة لعلها الشافية وتطفئ لهيب نيران هذا السؤال: الطير لديها أجنحة وهذا يعني الطيران والطيران محله السماء لا الأرض. فهي لا تهبط إلا لتلتقط حبًا أو لتستريح من حرارة الشمس الحارقة ثم تستأنف شغفها-التحليق- لتعانق السحاب ويلامس الهواء ريشها ليتخلل رئتيها، أو لتداعب صغارها الذين ليس بمقدورهم الطيران بعد.

سأوضح الفرق بين الطيران والتحليق وهو سؤال أيضًا بحثت مليًا عن إجابته. الطيران يفتقد الاستمتاع والشعور باللذة؛ فالطائرة تطير ولا تستمتع بالطيران لأنها جمادًا لا يشعر، كما أن أجنحتها من صنعنا نحن بأمر من الله عن طريق هديته –العقل-.

أما الطير فهي تحلق و ترفرف بأجنحتها لتستمتع بكل لحظة في يومها الذي هو على وشك الانتهاء. كم هي ذكية! أدركت معنى الحياة وجمالها فتشبثت بكل لحظة علَّها تكون آخر لحظة لها في الوجود ثم تنتقل إلى اللاوجود. ففي أجنحتها قوة لا تضاهيها قوة، إنها ترتقي في التحليق لتناطح السحاب دونما صرح كما طلب فرعون من هامانه عندما أراد بلوغ الأسباب. وفي كل حركة منها أثناء التحليق أرى عزيمة لا تضاهيها عزيمة؛ عزيمة لإثبات وجودها بتغريدها الذي أراه إشارة لسعادة عارمة تنتفض لها روحها معانقة السحاب وتزينها خيوط الشمس الضعيفة التي باتت على وشك الذهاب إلى مكان ما لا أعلمه، أرى شعورًا مسيطرًا عليها يمدها بسعادة تكفي لتنام قريرة العين.

أعتقد أن الله ألهم كل مخلوق كيف يستشعر سعادته ثم يغترف منها بعد ذلك.  لقد نجحت الطير بغريزتها في استشعار سعادتها بالتحليق في السماء، ففي السماء ستشعر بذاتها، ولهذا فهي تخافني ولا تأمني عندما أقدم لها الحَب وإذا ما انصرفتُ سارعت بتناوله في حذر وعلى عجل. هذا هو مكانها ولهذا فهي ترفض محاولاتي جميعها,  فما يدريها أني لن أوقعها في شباك وأحرمها ما خُلِقت لأجله كمن امتهنوا إيقاع الطير في شِبَاك ثم يبيعونها لمن يدفع أكثر.

تعلم من الطير أن تستمسك بحياتك وأن تعيشها بالطريقة التي أرادها الله لك واخترتها بملء إرادتك. إياك ومغريات الطريق! ولا تغير بوصلة حياتك فقط بسبب فتات تراءى لك من بعيد أنه سيوفر عليك المسافات ويكون بمثابة طريقًا مختصرًا للحياة التي تطمح إليها، كشأن من انحرفوا عن مسارهم ليحظوا بالفتات وما أكثرهم! فتات تزينه لهم أعينهم بالتحالف مع رغبات أنفس أمارة بالسوء لا تريد سوى راحة مؤقتة؛  حتى وإن كانت على حساب الكثيرين.

معظم الطيور تهاجر كل عام بشكل منتظم، من بين أسباب هجرتها التكيف مع التغيرات الطبيعية التي تحدث مثل البحث عن الطعام، أو الدفء، أو البحث عن مصادر استمتاعها. بعض الطيور تهوى السباحة فإذا ما قَدِم موسم الشتاء وأخذت الحرارة في الانخفاض وصاحبها تجمد البحار والبحيرات، بحثت عن مكان آخر تمارس فيه نشاطها. فهي تترك حياتها التي اعتادت عليها وتسافر لمسافت بعيدة  لتمارس حياتها التي اعتادت عليها والعجيب أن ما يقودها هو غريزتها!

ليس كما هو الحال بالنسبة للإنسان، إذا ما ظهرت له فرصة يأباها من تعافه نفسه كلقمة سائغة لكنها تفوح منها رائحة الاستغلال تجعله يعتلي القمة في هذه الحياة، فإنه يسارع إلى التهامها على عَجل قبل أن يسبقه إليها غيره. هنا تنقلب الموازين وينحدر الإنسان وترتقي الطير.

 لماذا يخسر الإنسان ذو العقل وتربح الطير بلا عقل فقط بغريزتها! فالطير ترفض الطريق السهل لأنه محفوف بمخاطر فقدانها حياتها التي هي في السماء، أو أن تعيش في عالم لن تتعرف فيه على ذاتها إذا ما وقعت في شِبَاك. فلنتعلم من الطير، وإن شئت فارفع بصرك إلى السماء وأنصت لتغريدها. أليس عيبًا أن يتفوق بغريزته ما لا يعقل على من يعقل؟

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية




0
3
0
0
1
0
0