رغم حلاوة صوته، لم يعرف المطرب فايد محمد فايد النجومية التي يستحقها لأسباب عديدة على رأسها انشغاله بالزواج، فلم تكتمل له زيجة إلا ويدخل في أخرى ما أثرّ سلباً على مسيرته الفنية. القصة كاملة رواها زياد عساف في كتابه «المنسي في الغناء العربي».

والد سعاد حسني

في ساعة الغروب كان يحلو للطفل الصغير الاختلاء بنفسه للغناء في حوش الدار وفي المزارع المجاورة مردداً المواويل التي تحلو له. وتصادف ذات يوم مرور أحد الموسيقيين وأخذ يصغي لصوته الجميل حتى انتهى من الغناء، فقرر حينها أن يتعهده بتعليمه أصول الغناء بعد أن أخذ موافقة والده على ذلك، وبدأ يحفّظه أغاني سيد درويش، والقصبجي، وزكريا أحمد.

وفي بلدته ميت غمر بمحافظة الدقهلية التقاه الفنان الخطاط محمد حسني البابا، والد سعاد حسني، ونجاة الصغيرة، فاصطحبه معه إلى القاهرة، وأقام في بيته ومع أبنائه في حي الفوالة كواحد من أفراد الأسرة وعهد به إلى الموسيقار داوود حسني، وزكريا أحمد، لينهل منهما فن الغناء والموسيقى.

ومن هنا بدأ فايد محمد فايد، خطواته الأولى في مسيرته الفنية، والتي بها من الإبداع بقدر ما بها من الغرابة والاختلاف عن غيره من مطربي زمن الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.

محمد حسني البابا

الطفل المعجزة

في حفل افتتاح الإذاعة المصرية في الثلاثينات شارك العديد من نجوم الغناء في مصر، وكان الملفت مشاركة «فايد» وهو بعمر صغير وقتها، وأطلق عليه لقب «الطفل المعجزة» لجمال صوته. بعد أن استمع إليه محمد عبدالوهاب ألحقه بالكورس الذي يغني معه في حفلاته وكان ضمن هذا الكورس أيضاً المطرب محمد عبدالمطلب.

محطات كثيرة مر بها محمد فايد (1922 – 1989) في البدايات، أهمها التحاقه بمعهد الموسيقى العربية لمدة سنتين. هناك تعلم فن الغناء بالإضافة إلى إتقانه العزف على العود على يد خيرة المدرسين، ما أهلّه لأن يقوم بتلحين بعض أغانيه، وغنى في أماكن كثيرة منها مقهى الفيشاوي، والمسارح الليلية، ومحطات الإذاعة الأهلية والرسمية، ثم عمل بعد ذلك مدرساً للموسيقى بمدرسة السيدة زينب الابتدائية.

مشوار السينما

بداية «فايد» مع السينما كانت مع الفنان على الكسار الذي قدمه في فيلمه «سلفني 3 جنيه» وأفلام أخرى مثل «بواب العمارة»، و«يوم المنى»، و«الساعة 7».

طلبه بعد ذلك الفنان يوسف وهبي وضمه لفرقة «رمسيس» وشاركه في فيلم «أولاد الشوارع»، و«أولاد الفقراء»، و«بنات الريف»، وبعض أغنياته في هذه الأفلام كانت من ألحان «وهبي» أيضاً، وفي مسرحياته جعله «وهبي» ينهي العرض المسرحي بعد أن كان هو من ينهي كل عرض بطريقته اشتهر بها.

معظم الأفلام التي ظهر بها «فايد» كانت بالغناء فقط مثل فيلم «خطف مراتي»، و«أربع بنات وضابط»، ومن أهم الأفلام التي ظهر بها فيلم «الكنز المفقود»، و«الفارس الأسود»، و«لمن تشرق الشمس»، و«البؤساء»، و«أشياء ضد القانون»، و«الطاغية» وحملت هذه الأفلام أسماء مخرجين معروفين في مصر مثل توجو مزراحي، وحسن الصيفي، ونيازي مصطفى، وعاطف سالم، والسيد زيادة، وإبراهيم لاما، إضافة إلى يوسف وهبي.

ومن أشهر نجوم التمثيل الذين شاركهم «فايد» في السينما فاطمة رشدي، وأمينة رزق، وكوكا، وزهرة العلا، ومديحة كامل، وفريد شوقي، وأنور وجدي، ورشدي أباظة، وعزت العلايلي.

كثرة الزواج

بقي محمد فايد مطرباً مغموراً وطواه النسيان منذ أواخر الخمسينيات، وقلما يتم الحديث عنه في وسائل الإعلام أو إذاعة أغانيه، إلا أنه بقي حديث الناس حتى الآن باعتباره صاحب رقم قياسي في تعدد الزيجات التي بلغت 39 مرة.

كان يعقد زواجه من القرى والبلدات التي يذهب للغناء في حفلاتها وأعراسها، فتزوج من مختلف الأعمار والطبقات ومن داخل وخارج الوسط الفني، ولم يتوقف عن الزواج لحين وافاه الأجل في شتاء 1989. والأكثر غرابة أنه كان يحتفظ ببدلة خاصة يحضر بها للمحاكم الشرعية من أجل هذا الهدف.

زواجه الأشهر كان من المطربة أسمهان. وتصادف وجود محمد «فايد» في القدس في عام 1942 لإقامة حفلاته هناك، وبنفس الوقت كان يعمل مديراً للجنة الموسيقى في إذاعة الشرق الأدنى في يافا.

في تلك الفترة كانت أسمهان تقيم في القدس وتعمل جاهدة للعودة إلى مصر لتصوير فيلمها «غرام وانتقام»، إلا أن قوانين الإقامة في مصر تلك الفترة كانت عقبة في سبيل عودتها، ووجدت الحل الأنسب بالزواج من محمد فايد شكلياً للتمكن من العودة لمصر، واستمر هذا الزواج الصوري لمدة عشرين يوماً.

وبالطبع فإن هذه الظروف الاجتماعية التي عاشها «فايد» إضافة لعدم حُسن إدارته لمسيرته الفنية جعلته غير قادر على الاحتفاظ بوجوده واسمه في الساحة الغنائية.

أسمهان

ملحنون صف ثان

تعاون «فايد» مع ملحنين مشهورين تلك الفترة كان محدوداً. لمحمد الموجي غنى لحن «الحب فين نوره»، وأغنية «اللبن الحليب» من ألحان عزت الجاهلي، وغناها في فيلم «بنات الريف»، و«شم النسيم» لحن رياض السنباطي، و«سلامات يا جميل» لحن نجيب السلحدار من فيلم «خطف مراتي».

محدودية التعامل مع ملحنين معروفين انعكس سلباً على رحلته الفنية، وعلى الجانب الآخر كان أغلب تعاونه مع ملحنين من الصف الثاني مثل خليل المصري، ونجاح الغنيمي، وعلى إبراهيم، وعبدالفتاح البدير.

ينطبق هذا أيضاً على كُتَاب الأغاني أيضاً أمثال أحمد سمرة، ومحمد محمود، ونجيلي ياسين، وفتحي شريف، والسيد رمضان، في الوقت الذي قدم فيه أغنية واحدة للشاعر بيرم التونسي «يا بنت قولي لابوكي».

في لقاء إذاعي مع عبدالحليم حافظ سُئل عن أسباب ومقومات نجاح أي مطرب وحددها بالموهبة والذكاء الاجتماعي. فايد محمد فايد امتلك الموهبة ولكن خانه ذكاؤه الاجتماعي عندما خاض تجارب زواج عديدة عاشها ما بين طلاق وزواج، وهذا كفيل باستنزاف طاقات أي فنان.




المصدر

كتاب «المنسي في الغناء العربي».زياد عساف.

0
2
0
0
0
0
0

شارك المقال


صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية