كثيرون قدموا للفن العربي ما لم يقدمه غيرهم، ومع مرور الزمن انتقلوا إلى منطقة الظل، وباتوا لا يُعرفون إلا مقرونين بأسماء غيرهم أو بأحداث معينة تشير إليهم من بعيد. بين هؤلاء حليم الرومي والد الفنانة ماجدة الرومي، الذي اكتشف قيثارة الغناء العربي فيروز وقدم أكثر من ألفي لحن، ومع ذلك نساه التاريخ.

بداية المشوار

«حليم» من مواليد الناصرة في فلسطين. التحق بالمعهد الموسيقي في حيفا في سن صغيرة، وشارك في الحفلات والمهرجانات التي كانت تقام هناك.

في أوائل الأربعينات عمل في إذاعة الشرق الأدنى كمطرب وملحن وعازف، واعتمدته الإذاعة الفنان الأول في جميع الاحتفالات والمناسبات، وفي الفترة نفسها فاز بجائزة تلحين نشيد الجيش العربي الأردني.

بعد ذلك تسلم رئاسة القسم الموسيقي في إذاعة الشرق الأدنى، وساهم في تأسيسها وإعادة تنظيمها حتى أصبحت من أهم الإذاعات في الشرق الأوسط.

وفي أواخر الأربعينات تزوج من ماري لطفي، فلسطينية الأصل، وأنجب منها «عوض» و«مها» و«منى» و«ماجدة».

صورة لحليم الرومي مع عائلته، المصدر: الانترنت

خليفة «الست»

في أواسط الثلاثينات كان «حليم» يتنقل بين فلسطين ومصر. وأكمل تعليمه الموسيقي في معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية في القاهرة، وأنهى دراسته في مدة سنتين بدلاً من ست سنوات لنبوغه في مجال الموسيقى.

وقدم أولى حفلاته في الإذاعة المصرية، ثم شارك كمطرب وملحن من خلال المسارح والاستعراضات، ولُقُب في مصر حينها بـ«خليفة أم كلثوم»، لإبداعه وتميزه في مجال الغناء.

في أواسط الأربعينات وفي القاهرة تعرّف على المنتج السينمائي إبراهيم وردة، وشارك في تمثيل فيلمين سينمائيين هما «أول الشهر» و«قمر14» الذي غنى فيه «يا مساء الورد على عيونك».

 

عاد إلى بيروت عام 1950، وعُين رئيساً للقسم الموسيقي في إذاعة لبنان، وكان له دور في رفع مستوى الأغنية اللبنانية وتقديم عدد كبير من المطربين والفنانين.

اكتشاف فيروز

التقى الموسيقار حليم الرومي في أواخر الأربعينات بالمطربة فيروز حين تقدمت لامتحان القبول في إذاعة لبنان. وأعجب بصوتها وقدم لها أول لحن «تركت قلبي وطاوعت حبك» عام 1950، والأغنية الثانية «في جو سحر وجمال»، واشتركت معه في أغنية دويتو من ألحانه «عاشق الورد»، كما لحن لها أغنية جميلة أيضاً هي «أحبك مهما أشوف منك».

 

 

بعد هذه الأعمال المشتركة بينهما قدمها «حليم» للأخوين رحباني. في البدء لم يتشجع عاصي رحباني لها، لعدم تأكده من إمكانياتها في تقديم اللون المعاصر الذي يطمح إليه.

هنا كان دور «حليم» بإقناعه لأنه كان أكثر من يعرف قدراتها ومواهبها، وكان هو من اقترح عليها اسم «فيروز» بدلاً من «نهاد حداد» اسمها الحقيقي.

ولـ«حليم» الفضل أيضاً في اكتشاف وتقديم الكثير من الأصوات وتدريبها وتعليمها مثل سعاد محمد، وفايزة أحمد، ونصري شمس، ونونا الهنا.

ماجدة والوفاء

في البدء أشفق «حليم» على ابنته ماجدة الرومي من العمل في مجال الغناء، ولم يكن متشجعاً لذلك، إلا أنه فيما بعد لحّن لها مجموعة من الأغنيات منها «لبنان قلبي»، و«العيد عيد العالم يا أمهات».

وأعادت ماجدة الرومي، وفاءً لذكرى والدها، بعض الأغنيات التي غنّاها ولحنها طيلة فترة حياته، منها «يرنو بطرف»، و«يا مكحل رمشك ليه يعني»، و«اسمع قلبي شوف دقاته»، ثم أعادت بصوتها بعضاً من أغانيه وبأداء وإخراج تلفزيوني مبهر جداً منها «يا معذب قلبي»، و«اليوم عاد حبيبي»، و«يا مساء الورد على عيونك» وفي إهداء خاص إلى ورح والدها أعادت من غنائه ولحنه أيضا أغنية «سلونا».

 

 

فن الموشحات

خاض «حليم» غمار تلحين وغناء الموشحات، وهذا النوع من الغناء لا يقدر عليه إلا من يمتاز بقدرات فنية متميزة. كان يعي أهمية هذا اللون الفني كونه من منبع عربي أصيل وليس دخيلاً، وفي الوقت نفسه يضم كنوز التراث الموسيقي العربي والمقامات والأوزان، وهي مرجع كبير للموسيقيين ولا يمكن تغيير معالمها، فتحافظ على التماسك مع مرور السنين وتُحفظ من التعديل أو التغيير.

وأهم ما في غناء الموشحات أنها قابلة للغناء الجماعي، فيمكن تداولها وتوارثها بين الناس بعكس الغناء الفردي الذي يُنسى معظمه برحيل صاحبه.

لم يكن مفاجئاً أن يحصل «حليم» على الجائزة الأولى في مسابقة تلحين الموشحات الأندلسية والتي نظمها مجمع الموسيقى العربية في تونس عام 1972. وفي هذا السياق لحن «حليم» موشحات منها: «يا أٌهُيل الحي» و«وجب الشكر علينا»  و«يرنو بطرف».

 

 

في أواخر 1972 كانت نهاية رحلة «حليم» التي سبقتها فترة مرض ومعاناة بعد مشوار طويل من العطاء في مجال الغناء والتلحين. ما يثير الاستغراب أن صاحب الألفي لحن مُغيّب عن وسائل الإعلام علماً بأن أعماله جديرة بأن تسمعها الأجيال الحالية خاصة أنه قدم العديد من ألوان الغناء في مجال القصيدة والموشح باللهجات المحلية.




المصدر

كتاب «المنسي في الغناء العربي».زياد عساف.

0
0
0
0
0
0
0