تستعين الدول بجواسيس خلال فترات الحروب تحديدًا، لمعرفة كيف يفكر الجانب الآخر، ولذلك سعت ومازالت إسرائيل لتجنيد جواسيس عرب لصالحها، لنقل معلومات عن بعض الدول العربية التي تتصارع معها.

نستعرض في هذا التقرير 4 قصص لجواسيس عرب جندهم جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد».. من هم؟ وما قصصهم؟.. هذا ما ستكشفه لنا السطور التالية.

أمينة المفتي

تعتبر الأردنية أمينة داود المفتي أحد أشهر الجواسيس العرب، والتي كانت تتجسس على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، خلال فترة تواجده في العاصمة اللبنانية بيروت، بالإضافة لكبار القادة الفلسطينيين.

ولدت أمينة في 1939، بالعاصمة الأردنية عمان لأسرة شركسية مسلمة، وظلت في الأردن حتى الانتهاء من دراسة المرحلة الثانوية، وسافرت عام 1957 إلى فيينا لاستكمال دراستها الجامعية، وحصلت على البكالوريوس في علم النفس الطبي، وعادت إلى وطنها في 1961، قبل أن تعود إلى النمسا للحصول على الدكتوراه.

تزوجت «أمينة» من شقيق صديقتها، هو طيار عسكري يهودي مقيم في النمسا، يدعى «موشيه بيراد»، واعتنقت اليهودية واستبدلت اسمها بـ«آني موشيه بيراد» عام 1967، وساعدها زوجها في الحصول على شهادة دكتوراه مزورة، ثم هاجرا إلى إسرائيل بعد تهديد أسرتها بالقتل.

أصبح زوجها رائد طيار في سلاح الجو الإسرائيلي، وأُسقطت طائرته من قبل المدفعية السورية، ومن هنا بدأت «المفتي» مشوارها مع الجاسوسية، رغبة منها في الانتقام من السوريين والفلسطينيين الذي تسببوا في قتل زوجها، ودخلت ملاجئ الفلسطينيين على أنها طبيبة متطوعة.

عاشت «أمينة» في بيروت وتغلغلت بداخل الفصائل الفلسطينية، واستطاعت الوصول إلى مكتب «عرفات»، وزرعت أجهزة تصنت داخل مكتب الرئيس الراحل، وحصلت على تصريح تستطيع من خلاله الدخول إلى كافة المواقع الفلسطينية باعتبارها طبيبة تساعد على تأهيل الجرحى.

واعتقلت السلطات الفلسطينية «أمينة»، بعد كشف أمرها، وأنها كانت جاسوسة وترسل معلومات عن العمليات الفدائية التي تخطط لها المقاومة الفلسطينية، وأيضا أسماء وتفاصيل دقيقة عن أفراد المخابرات الفلسطينية، وأماكن تواجد أبرز شخصيات منظمة التحرير الفلسطينية.

كانت هناك خطط عدة لاستجواب الجواسيس يتّبعها رجال المخابرات الفلسطينية أما والخالة هنا لامرأة عربية فالوضع كان مختلفا، لذا تم الاعتماد على خطة جديدة تناسب الحالة تقوم على إيهامها بأن زوجها موشيه أسيرا لدى السوريين وأطلق سراحه منذ أيام ضمن فريق من الأسرى في عملية مبادلة نشرت عنها الصحف.

كان الغرض من ذلك كله إشعار «أمينة» بعقدة الذنب لتحس بالندم على ما ارتكبته فتعترف بلا إكراه أو تعذيب، وعلى ذلك سربوا إليها إحدى الصحف اليومية وقد تصدرت صفحتها الأولى صورة زوجها الأسير وسط الكثير من زملائه، قبلما يغادرون سوريا إلى إسرائيل برفقة رجال الصليب الأحمر، كانت هناك بالطبع نسخة وحيدة لتلك الصحيفة طبعت للمهمة المحددة.

ولكن «أمينة» التي ظلت تنادي زوجها موشيه في محبسها لم تعترف بشيء خلال الاستجواب، فتم نقلها إلى كهف «السعرانة»، أحد كهوف لبنان،  وهو مكان مروع، حيث رأت فتاة معلقة من قدميها تسيل الدماء منها، قتلها رجال المخابرات الفلسطينية رميا بالرصاص أمامها.. وكان هذا مشهدا تمثيليا، لتنهار وتعترف، وهو ما حدث بالفعل.

اعترفت الأردنية أمينة المفتي بكافة التهم وأودعت في السجن لـ5 سنوات، وتم مقايضتها بعد ذلك بأسيرين هما محمد مهدي بسيسو، محكوم عليه بالمؤبد في إسرائيل بسبب قيامه بعملية فدائية بواسطة زورق عام 1971، ووليم نصار، المحكوم عليه بالمؤبد أيضا لقتله ثلاثة إسرائيليين عام 1968.


 

هبة سليم

هبة عبد الرحمن سليم عامر، تم تصنيفها على أنها أخطر جاسوسة جُندت من قبل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد»، في بداية السبعينيات.

حصلت هبة سليم على شهادة الثانوية العامة عام 1968، وسافرت إلى العاصمة الفرنسية باريس لاستكمال تعليمها الجامعي، وتعرفت على فتاة يهودية من أصول بولندية، والتقت بالعديد من الشباب اليهود خلال سهرتها في منزل صديقتها، وكشفت لهم هبة عن كرهها للحرب وتمنياتها بأن يعم السلام المنطقة.

عرضت صديقة «هبة» عليها فيلم عن الحياة الاجتماعية في إسرائيل وطريقة حياة «الكيبوتس»، وأكدت لها أنهم ليسوا وحوشًا كما تصورهم وسائل الإعلام العربية، بل أنهم أناس متحضرين وديمقراطيين، واستمرت لقاءاتها مع الشباب اليهودي، ورأت أن إسرائيل دولة قوية للغاية وأقوى من العرب كافة.

ومن هنا جاءتها فكرة خدمة إسرائيل ورفضت الأموال التي قدموها لها، ونجحت في تجنيد رئيس أركان حرب سلاح الصاعقة، المقدم مهندس صاعقة فاروق عبد الحميد الفقي، الذي كان عاشقًا لها وكانت تقابله في نادي الجزيرة، ولكنها لم تكن تشعر تجاهه بأي مشاعر، وبعد تجنيدها وافقت على الخطبة منه للاستفادة من المعلومات.

وحصلت على معلومات هامة للغاية من خطيبها، ونقلتها لإسرائيل، وبدأت تعرف منه معلومات وأسرار حربية، وتحديدًا مواقع الصواريخ الجديدة القادمة من روسيا، وكان يتباهى «الفقي» أمامها بأهميته في القوات المسلحة، ويكشف أدق الأسرار العسكرية، ويمدها بخرائط لشرح مزيد من التفاصيل.

وأصبح «الفقي» عميلًا لـ«الموساد»، وسرب وثائق وخرائط عسكرية لمنصات الصواريخ «سام 6» المضادة للطائرات، التي كانت تعمل القوات المسلحة المصرية على نصبها لحماية البلاد من الغارات الإسرائيلية، وكان يستهدف الطيران الإسرائيلي المنصات بشكل مستمر حتى قبل أن يجف البناء.

شك جهاز المخابرات في الأمر، خاصة أن كافة المعلومات كانت تدل على وجود «عميل عسكري» يسرب معلومات سرية جدًا لإسرائيل أول بأول، وتم كشف أمر «الفقي» وأُلقي القبض عليه، وكشف تفاصيل تجنيده عن طريق «هبة» بعد قضاء «ليلة حمراء» معها، وتمت محاكمته عسكريًا، وأدانته وأُعدم رميًا بالرصاص.

وأعد جهاز المخابرات المصرية خطة للقبض على «هبة»، حيث تم استدراجها بعيدًا عن العاصمة الفرنسية، وسافرت مع الفريق «رفعت جبريل»، ضابط المخابرات المسئول عن العملية آنذاك، إلى ليبيا لأن والداها كان يعمل مدرسًا هناك، وتم ذلك بالتنسيق مع السلطات الليبية.

والد «هبة»، كان يتصور أن ابنته تورطت في إحدى العمليات الفدائية الخاصة بالمنظمات الفلسطينية وشاركت في خطف طائرة، ولذلك فهي مطلوبة في إسرائيل، وتم استدعائها إلى طرابلس على اعتبار أن والدها مريضًا، وبالفعل تم حجزه في مستشفى، واتصل والدها بها عدة مرات لإقناعها بزيارته، بحسب رواية «جبريل».

وتم تقديم«هبة»، إلى المحاكمة أمام القضاء المصري، الذي أصدر حكمًا بإعدامها شنقًا، بعد اعترافها بجريمتها، وطلب وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، من الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، تخفيف الحكم عليها، ولكنه أخبره بأنه تم إعدامها، وبعد رحيله أمر بتنفيذ حكم الإعدام في «هبة».

ويُقال بأن رئيس الوزراء الإسرائيلية، غولدا مائير، بكت على «هبة» باعتبارها أخطر جاسوسة، وقدمت لإسرائيل أكثر مما قدم زعماء إسرائيل.

إيلي كوهين

إلياهو بن شاؤول كوهين، هو أحد أشهر جواسيس إسرائيل في سوريا، وتم إعدامه شنقًا بعد اكتشاف أمره في ساحة المرجة وسط دمشق في مايو عام 1965، ويُقال أن المعلومات التي جمعها كانت سببًا رئيسيًا في تحقيق إسرائيل للنصر في حرب 1967.

ولد اليهودي إيلي كوهين في الإسكندرية عام 1924، وانضم إلى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في العام 1944، وعمل تحت قيادة «إبراهام دار»، أحد كبار الجواسيس الإسرائيليين، وشكلا شبكة للمخابرات الإسرائيلية، وتم تنفيذ العديد من التفجيرات بمنشآت أمريكية في القاهرة الإسكندرية.

وتم القبض على الشبكة الجاسوسية عام 1954، ولكنه أقنع المحققين ببراءته ولم يتم ثبوت أي تهمة عليه، ليخرج في العام 1955، ثم هاجر إلى إسرائيل في عام 1957، وتزوج من يهودية من أصل عراقي، وجنده «الموساد»، وسافر إلى العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس، لمدة عام، على أنه رجل أعمال سوري مسلم يدعى كامل أمين ثابت.

وبدأ في التعرف على رجال الأعمال السوريين في الأرجنتين، وإقامة المآدب الفاخرة وتوزيع الهدايا، وكان يظهر دائمًا محبته لسوريا وحنينه إلى وطنه، وسافر لدمشق في يناير 1962 محملًا بآلات ووسائل الاستقبال والإرسال اللاسلكية الحديثة، وصور التحصينات الدفاعية بمرتفعات الجولان، عن طريق آلة تصوير مثبتة في ساعة يده.

وكون علاقات مهمة مع ضباط الجيش والمسئولين الأمنيين وقيادات حزب البعث السوري، وساعدته في تزويد إسرائيل بكافة التفاصيل الدقيقة عن خطط الدفاع السوري في منطقة القنيطرة، والكشف عن صفقة الدبابات الروسية من طراز «ت-54»، بجانب الخطة السورية في حالة اجتياح إسرائيل للجزء الشمالي.

وتعددت روايات إلقاء القبض عليه في عام 1965، فهناك رواية أنه سقط على يد مسئول الإشارة بالجيش السوري، محمد وداد بشير، الذي لاحظ وجود بث بث غير مماثل للترددات اللاسلكية المعتادة، وتم مهاجم بعض السفارات ولم يتم التوصل لشيء، وتم تحديد مكان الترددات الغريبة في منزل «كوهين»، ليسقط متلبسًا خلال مراسلة «الموساد».

زياد عيتاني

يعد الممثل اللبناني زياد عيتاني، هو أحدث الجواسيس العرب لصالح إسرائيل، وذلك عن طريق فتاة حسناء جذابة؛ تعرف عليها عبر الإنترنت تدعى «كوليت فيانفي».

زياد عيتاني، هو ممثل وكاتب مسرحي ومخرج لبناني، ولد في بيروت عام 1975، وأُلقيت مديرية أمن الدولة اللبنانية، القبض عليه قبل بضعة أيام تهمة التخابر والتواصل والتعامل مع «الموساد».

وتعود قصة تعاون «عيتاني» مع إسرائيل إلى عام 2014، حينما تعرف على «كوليت» عبر الفيسبوك، واعتقد أنها سويدية وتبادلا رسائل الحب، واتصلت الفتاة الحسناء به، وأغرته بإرسال «صور حميمية» لها، واستمرت العلاقة إلكترونية بينهم حتى عام 2015، وذلك بحسب محاضر التحقيق مع الممثل اللبناني.

وكانت تقتصر الأحاديث بينهما على العلاقة الغرامية والأوضاع بشكل عام في لبنان والدول الأخرى، ولكنها تطورت في 2016، وقامت «كوليت» التي تعمل ضابط استخبارات إسرائيلي بتجنيد «عيتاني»، وأصبحا يتواصلان برسائل مشفرة عن طريق «واتس آب» «جيميل» بجانب «ماسنجر».

وكانت تغير «كوليت» الإيميل كل 3 أسابيع تقريبًا، وتستخدم أرقامًا هاتفية مختلفة في كل مرة، والتقت بالممثل اللبناني للمرة الأولى في أغسطس الماضي بتركيا، وطلبت منه أن يكون علاقات متميزة ويطور علاقاته الاجتماعية، وتحسين مظهره، ولذلك كانت ترسل له مبلغًا ماليًا يتراوح بين 500 لـ1000 دولار شهريًا.

المطلوب من «عيتاني»، كان التواصل مع الشخصيات السياسية المؤثرة عن طريق المستشارين والإعلاميين المقربين منهم، لتجميع تيار إعلامي وسياسي يروج للسلام والحل على أساس إقامة دولة فلسطينية، والتطبيع مع إسرائيل فيما بعد.

وأرسلت «كوليت» لـ«عيتاني»، لوائح بأسماء الإعلاميين، وبينهم كاتبان معروفان، بجانب لائحة أخرى تضم أسماء 29 وزيرًا، لم يكن بينهما رئيس الحكومة سعد الحريري، وذكر أسماء وعناوين من يعرفهم وتحركاتهم، كما استفسرت عن «التغيير الديمغرافي في لبنان»، ومدى جدية استقالة الحريري.

الممثل اللبناني، أخبر المحققين أن «كوليت» أبلغته برغبتها في زيارة لبنان يوم 2 ديسمبر المقبل، ولكنه طلب تأجيل اللقاء لشعوره بالخوف، إلا أنها أصرت على الاجتماع به بشكل طارئ، ولازالت التحقيقات مستمرة مع «عيتاني»، الذي اشتهر بمناصرة القضايا الوطنية ومدافعته عن القضية الفلسطينية.

 




0
1
0
0
0
0
1